( ملحوظه: الحوار باللغه العربيه الفصحى هو الحوار بالانجليزيه و العبريه )
عملية أرض الميعاد . . . الجزء الثاني
---------------------------------------------
تل ابيب . . . ٢٦ سبتمبر . . . ١٩٧٣
العاشرة صباحا
مقر الموساد
اربعة رجال يجلسون حول طاولة مستطيلة يخيم عليهم الصمت المطبق . . .
مدير الموساد..مساعده . . . رئيس فرقة الاغتيالات . . . رئيس فرقة العمليات الخاصة . . .
( ساحاول ان اكون هادئا قدر الامكان . . . فقد عانيت ليلة امس كثيرا . . . كدت ان افقد عقلي تقريبا )
قالها مدير الموساد بغضب مكتوم و هو يشبك كفيه امام و جهه . . .
اغمض عينيه و زفر زفرة حارة محاولا السيطرة على اعصابة . . . .
خيم الصمت مره اخري و تبادل الرجال الثلاثة النظرات في قلق . . .
( اذن . . . ماذا حدث؟ . . . قص على ما حدث يا سيد آدان . . . بصفتك رئيس فرقه الاغتيالات و الرئيس المباشر للمدعو شارون )
قالها في غضب مكتوم و هو يتطلع الي الرجل مباشرة . . .
تنحنح الرجل و قد بدا عليه الارتباك . . .
( سيدي لقد حدث خطأ و لكن المكاسب معقولة جدا كما ان الـ . . . )
( لا تحدثني عن المكاسب ارجوك يا سيد آدان فانت لا تعلم شيئا عنها . . . )
قالها مدير الموساد صارخا . . .
توتر المقف قليلا و احجم الرجل عن الكلام و تراجع في مقعده خافضا رأسه في الارض . . . .
تحدث رئيس العمليات الخاصه في خفوت . . .
( سيدي لقد تداركنا الخطأ و قر . . . )
( فلتتزم الصمت رجاء يا يتسحاق . . . دورك سياتي بكل تاكيد.. )
قاطعه بها بتلك العباره الحانقه مدير الموساد فابتلع بقية الجملة في حرج شديد . . .
ساد الصمت مرة اخري حتي عاد مدير الموساد الى الكلام بهدؤ نسبي . . .
( كلي آذان صاغية يا سيد آدان . . . )
تردد آدان رئيس فرقة الاغتيالات قليلا . . . ثم قال باقتضاب بارد . . .
( لقد قدمت لكم تقريري . . . )
خبط المدير بقبضته على الطاوله في غضب و هو يصرخ . . .
( تبا لتقريرك . . . تبا لتقاريركم جميعا . . . آي حفنة من الهواة انتم . . . انا لا اكاد اصدق ان هذا هوا الجهاز الذي انشأناه بدمائنا )
صمت الجميع في رهبه و هم يختلسون النظر الى الرجل الذي كان يغلي كالبركان . . .
( و الان اخبرني . . . )
قالها لآدان في صرامة . . .
تنهد آدان ثم قال في خفوت و هو يتحاشي النظر اليه . . .
( لقد ارسلنا شارون و فرقه مكونه من خمسة من افراد العمليات الخاصة ليقوموا بتصفية المهندسين المصريين الذي يتعاون معهم الجيش المصري في تطوير و تسليح الجيش . . . مستعينين بشبكتي الاسكندرية و القاهره . . . )
صمت قليلا محاولا ان يجد العبارات المناسبه . . .
( نجحوا بالفعل في تصفية ثلاثة منهم و لكن شارون خرج عن السيطرة و تجاهل الاوامر التى ارسلت اليه بضرورة العودة . . . )
صمت مره اخرى . . . كان من الواضح انه يعاني من ضغط عصبي شديد . . . تكلم في خفوت اكثر . . .
( عند ذلك نجحت المخابرات المصرية في الايقاع به و تصفيته . . . هذا ما حدث )
ابتسم المدير في سخرية و هو يتطلع اليه . . . ظل محدقا فيه بسخرية للحظات . . .
( هذا ما حدث!!! . . . عجبا . . . اذن ما هذا الذي وردني في التقارير القادمة من مصر؟ . . . وشاية؟ ام ماذا . . . ؟ )
قالها ثم تناول مجموعة اوراق و اخذ يقرأ بصوت بارد لا يخلو من التهكم . . .
( تم شنق العميل شارون فجرا في قلب القاهره و ادعت الصحافة المصرية ان احد السياح البريطانيين يعمل بشركة للنفط قد انهى حياته شنقا بسبب ضغوط العمل . . . )
قالها و عاد الابتسامه الساخره مره اخري و هو يقول لآدان . . .
( المصريين يعبثون بنا يا رفيق آدان و يسخرون منا . . . )
ثم اكمل القراءه . . .
( سقطت شبكتي الاسكندرية و القاهره في ايدي المخابرات المصرية و جاري استجواب العميله ايفيت و اسمها الحركي منى . . . و التي تم زراعتها في الاسكندرية منذ اكثر من عشرة اعوام . . . .تم تصفية العميل يوحنا و اسمه الحركي يحي و لم يتم التاكد من الجهة التى قامت بذلك . . . تم تصفية العملاء الخمسة المصاحبين لشارون . . . )
صمت قليلا ليلتقط انفاسه ثم هز راسه و قال بسخرية مريرة . . .
( هنا الجزء الاكثر ايلاما من الامر . . . تم ارسال فريق مكون من ستة اشخاص من المخابرات المركزية الامريكية لانقاذ شارون و ايفيت . . . و تم تصفية الفريق بالكامل و اخفت المخابرات المصرية الامر و كانه لم يكن . . . )
كان ساعتها ينظر الى يتسحاق رئيس العمليات الخاصه . . . بمزيج من السخرية و التساؤل . . .
ثم قال له بهدؤ ساخر..
( سيد يتسحاق هل تعي معني تلك العباره الاخيره..-و اخفت المخابرات المصرية الامر؟ . . . هل تعلمون معنى هذا جميعا ام لا؟ )
اخذ صوته في التعالي تدريجيا و هو يقول . . .
( معناه ان المصريين يقولون في رسالة صريحه لحلفائنا الامريكيين . . . -لا تعبثوا معنا . . . لقد صفينا رجالكم و لكننا نحترم مكانتكم امام العالم و نتطلع الى صداقه مستقبليه و لذلك لم ننشر الامر )
كان قد وصل الي مرحلة الصراخ . . .
فاكمل صارخا . . .
( بحق الجحيم . . . كم عميلا لدينا سوف نكتشف انه يعمل ايضا لصالح الامريكيين . . . كم . . . اريد ان اعرف . . . )
قالها صارخا و هو يدير بصره فيهم . . .
تنحنح مساعده و هو يقول بكلمات مرتبكه . . .
( و لكنهم حلفاؤنا يا سيدي و من المفروض انـ . . . )
صرخ الرجل في وجهه قائلا . . .
( لا يا داود . . . ليس من المفروض . . . ليس من المفروض اي شيء . . . نحن دولة مستقله و جهاز مخابرات مستقل . . . لا احد له الحق في الوصاية علينا لا امريكا و لا غيرها . . . )
صمت الرجل ممتقعا و طأطأ راسه . . .
نهض المدير و صب لنفسه بعضا من الماء ارتشفه رشفات متتاليه . . .
وضع يديه في جيب سرواله و تنهد و هو يتطلع الى الشارع الخالي عبر النافذه . . .
( لعلكم سمعتم بالضابط المسؤل عن العملية . . . )
قالها بهدؤ قدر ما استطاع . . .
لم يتلقى جوابا فاستدار اليهم قائلا في شيء من السخريه . . .
( هل سمعتموني ايها الساده؟ )
تنحنح مدير العمليات الخاصه يتسحاق و قال . . .
( نعم سيدي انه الجلاد . . . )
وجهه المدير حديثه الى رئيس فرقه الاغتيالات آدان و قال . . .
( انت تعرفه جيدا بالتاكيد يا رفيق آدان فلولا الحظ فقط لكنت الان في قبرك بعد ان صفى مكتبنا في موسكو . . . بلدك الاصلي )
قالها بشيء من التشفي و السخرية . . .
شد آدان قامته و قال في صرامه . . .
( ليس لي وطن الا اسرائيل يا سيدي )
اومأ المدير براسه و عاد يتطلع الى الشارع مره اخرى . . .
قال بصرامه شديده و برود . . .
( اقسم بشرفي ان اعاقبكم جميعا على ذلك التسيب و الاهمال و مبالغتكم في الاستهزاء بالعدو . . . و لكن بعد ان تعبر تلك الازمه التى سببتموها . . . )
( لقد هاتفتني السيده جولدا مائيير و قالت لي كلاما لو سمع احدكم ربعه لخر صريعا . . . و الرب وحده يعلم من سيخابرني ايضا ليفرغ علي غضبه و فشله . . . )
صمت مرة اخرى ثم عاد الى سخريته . . .
( و الان ايها الرفاق . . . كل الشواهد و المعلومات تؤكد ان المصريين على الارجح سيقومون بعمليه انتقاميه في الفترة القادمه . . . و لا اظن انها ستكون خارج اسرائيل و لا اظن ايضا ان يقوم بها غير الجلاد )
( هذا خطير للغاية يا سيدي )
قالها رئيس العمليات الخاصه بقلق . . .
( بالتاكيد يا سيد يتسحاق انه خطير . . . لان ما حدث كان خطيرا ايضا . . . اذا ارسلو ذلك الشخص سيشتعل الموقف و لكن رغم ذلك اتمنى ان يفعلوا . . . )
قالها المدير بهدؤ دون ان ينظر اليهم . . .
( اذا ارسلوا ذلك الشخص و نجحنا في الامساك به حيا ستكون ضربة قاصمه و مهينه جدا للمصريين و حلفاؤهم و ستكون دليلا دامغا علي ان مهذلة القاهره كانت خطأ فرديا . . . )
صمت قليلا ثم اردف . . .
( سمعة الجهاز كله علي المحك . . . في الداخل قبل الخارج . . . لذلك . . . ايا كان من سيرسله المصريين . . . اريده حيا . . . باي ثمن . . . اعتقد ان ذلك سهلا . . . . )
عقب يتسحاق رئيس العمليات علي الفور و بثقه . . .
( بالطبع يا سيدي . . . اذا تجرأوا و فعلو ذلك فسوف نمسك به قبل ان يخطوا خطوه واحده داخل اسرائيل . . . )
صمتوا قليلا ثم تحدث آدان رئيس فرقة الاغتيالات بتردد . . .
( و ماذا يكون الهدف من ارسال ذلك الشخص يا سيدي؟ )
ابتسم المدير ابتسامه ساخره و قال و هو مازال ينظر من النافذه . . .
( بكل تاكيد سيحاول المصريين اغتيال شخصيه هامه . . . قد تكون انت مثلا . . . )
رد آدان على الفور و بحنق شديد . . .
( انا فداء الوطن يا سيدي . . . الموت لا يعني لي شيئا . . . )
اتسعت ابتسامة المدير الساخرة و هو يقول . . .
( احترس مما تتمناه يا سيد آدان . . . فالايام القادمه لن تكون سهلة ابدا )
صمت آدان و هو يرمقه بنظرات حانقه . . .
( و الان يا ساده . . . آروني استعدادتكم . . . اريد تقارير وافيه عن كل تفاصيل الاستعداد في نهاية اليوم . . . )
قالها و جلس علي مكتبه . . .
فنهض الرجلين و حيوه ثم انصرفا في سرعه . . .
نظر هو الى مساعده و ابتسم دون ان يتكلم . . .
فتحدث الرجل بهدؤ مبتسما ايضا . . .
( انت دائما مصيب يا سيدي . . . انهم حفنه من الهواه . . . فليرحمنا الرب من امثال هؤلاء . . . )
هز المدير راسه في حسره و هو يقول . . .
( لقد حاولت اقناع الاداره السياسية اكثر من مره ان آدان شينوفسكي هذا ليس اكثر من مجرد قاتل ماجور لا يصلح لعملنا هذا و لكنهم لم ينصتوا الي . . . اعتقدوا انني لا احبه لاني امريكي الاصل و هو روسي الاصل . . . اي غباء هذا!!! هل تصدق !!! و هذه هي النتيجه فشل وراء فشل . . . )
تحدث مساعده بخبث . . .
( عفوا سيدي لقد كان الرجل عميلا لل كي جي بي و قام بالعديد من عمليات الاغتيال ايضا و هو ليس بهاوي . . . )
اندفع المدير قائلا . . .
( لم اقل انه لا يجيد تنفيذ العمليات و لكنه لا يفقه شيئا في القياده . . . مجرد قاتل ماجور . . . لا يرقى لعمل المخابرات الحساس )
( عندك كل الحق يا سيدي . . . )
صمت الرجل قليلا و هو ينقر باصابعه علي المكتب . . .
( سيرسل المصريين رجلهم الجلاد . . . انا واثق من هذا . . . و هذا امر خطير للغاية . . . و اذا لم نستعد استعدادا قويا سنخسر صورتنا امام القاده و اما م حلفائنا . . . )
( لن يكون هذا يا سيدي ساشرف على الاستعدادات بنفسي )
نظر اليه نظرة عميقه وصمت قليلا ثم تنهد و قال . . .
( فليكن يا داود..فليكن )
------------------------------------------------------------
مطار تل ابيب . . .
نفس اليوم ليلا . . .
ازدحم المطار بقوات الامن الاسرائيلية في تلك الليلة . . .
و كثيرا من رجال الموساد المندسين بين المسافرين او بين اطقم المطار . . .
و شعر كل من كان في المطار في تلك الليلة ان امرا ما يحدث . . .
و تباطائت اجرائات فحص جوازات السفر و الهويات مما جعل القادمين في حالة تململ شديد دفع ببعضهم الى الاحتجاج و الاستنكار . . .
و على الرغم كل ذلك الا ان الامر لم يتحسن و ظلت الصفوف تتقدم ببطء شديد . . .
كان موظف الجوازات قد اوشك على ان يفقد اعصابه هو الاخر من شدة الزحام و بطء الحركه و التوتر الذي سببه رجال الموساد له و لزملاؤه و لكن ذلك لم يمنعه من النظر بريبه الى ذلك الرجل المتوسط القامه الاشقر الذي يرتدي حلة انيقه للغايه و يضع مناظر طبيه . . .
( هل هذه اول زياره الى اسرائيل يا سيد بشير؟ )
قالها للرجل بالانجليزية في شك و هو يقلب جوازه بين يديه بعنايه . . .
( نعم انها الاولى واتعشم ان لا تكون الاخيره )
قالها الرجل ببرود شديد و بلهجة امريكية و قد بدا عليه الضجر . . .
رمقه الموظف بنظره صارمه و هو يسأله . . .
( كم سنه بقيت بالولايات المتحده؟ )
اجابه الرجل ببرود ايضا و بنفاد صبر . . .
( كما ترى امامك فانا مواطن امريكي اي انني قضيت حياتي كلها هناك . . . ظننت هذا واضحا . . . )
رد عليه الرجل على الفور و بلهجه خشنه . . .
( و لكنك من مواليد دمشق )
نظر اليه الرجل في غيظ و هو يقول . . .
( و ماذا في ذلك؟! اويوجد يهودي واحد من مواليد اسرائيل؟ )
تطلع اليه الموظف بتحد ثم لم يلبث ان نهض من مكانه و اشار للرجل ان يتبعه . . .
تبعه الرجل حانقا حتى وصلا الى ظابط قوي البنيه يرتدي زي الجيش الاسرائيلي فتحدث له الموظف بالعبرية بكلمات مقتضبه فحدق الظابط في وجهه الرجل للحظات ثم قال له بخشونه و بالانجليزيه . . .
( انت . . . اتبعني . . . )
هنا نفد صبر الرجل تماما . . . فصرخ بحده..
( لا لن اتبعك و لن اتحرك من مكاني قبل ان افهم مايحدث؟ )
ساد الصمت في صالة الوصول تماما و حدق الجميع مشدوهين في ذلك الرجل . . .
و ارتبك الظابط من المفاجأه و هو يحدق فيه . . .
فعاد الصراخ مرة اخرى . . .
( هل انتم مجانين ام ماذا؟ . . . ذلك الابله يتذاكى على و يقطب حاجبيه و يقول لي انت من مواليد دمشق . . . ثم يتحدث معي بصفاقه و انت تحذو حذوه . . . )
كان الرجل يصرخ بشده مما لفت انتباه رجال الموساد اليه فتبادل رجلين منهم نظرات ذات مغزى ثم تقدما منه . . .
واصل الرجل صراخه . . .
( انا مواطن امريكي . . . لكنني يهودي قبل ذلك . . . جئت لارى ارض الميعاد التى وعدنا بها الرب . . . اهكذا تعاملون الناس . . . اللعنه عليكم . . . ساعود من حيث اتيت )
كان رجلي الموساد قد وصلا في تلك اللحظه فامسك احدهم بذراعه في رفق و ابتسم . . .
( عفوا سيدي هل من الممكن ان تدعني اساعدك؟ )
تطلع اليه الرجل و هو مازال يغلي . . .
فاكمل زميله بسرعه و بادب شديد . . .
( سيدي هلا اعطيتني جوازك ارجوك )
( لقد اخذوه مني )
قالها الرجل في حنق . . .
اشار رجل اموساد الى الموظف فناوله الموظف الجواز و هو مازال مشدوها . . .
تفحص رجل الموساد الجواز بدقه و هو ينقل بصره بين الصوره و بين الرجل ثم ما لبث ان ابتسم و اعاد له الجواز و هو يقول في ادب . . .
( مرحبا بك دكتور بشير في وطنك . . . ارجو ان تسامحنا فنحن في حالة حرب كما تعلم )
لانت ملامح الرجل قليلا . . . ثم تناول الجواز و حمل حقيبة يده الوحيده . . .
( لا عليك . . . لقد توترت ايضا من الزحام..و لكن يجب ان تعلموا هؤلاء ان يفرقوا بين الناس . . . )
قالها و هو يشير بكبرياء الى الموظف الذي امتقع وجهه من الاحراج..
فاعاد رجل الموساد الابتسام و هو يفسح له الطريق و يقول . . .
( اهلا بك مرة اخرى . . . )
( شكرا لك )
قالها الرجل و حمل حقيبته و انصرف . . .
( هذا تدخل سافر في عملنا )
قالها الموظف بحده الى رجل الموساد . . .
فرمقه الاخير بنظره مخيفه جمدت الدماء في عروقه و هو يقول . . .
( عد الى عملك . . . )
ابتلع الموظف الاهانه و انطلق الى مكانه و هو يختلس النظر الى نظرات الشماته من بعض المسافرين . . .
و في صف اخر . . . تحدث موظف اخر الى حاخام يهودي ينتظر فحص جوازه . . .
( هل ترى سيدي الحاخام . . . هل ترى ما يفعلونه بنا رجال الامن . . . دائما ما يتدخلون في شؤننا بطريقه مهينه )
تطلع اليه الحاخام و تحدث برفق . . .
( يجب ان لا تنظر الى الامر من تلك الزاويه يا اخي . . . فهم يؤدون عملهم باخلاص لا اكثر . . . و هم عند الرب ابطال . . . مثلك تماما )
تهللت اسارير الموظف بشده و قال بحماس . . .
( لتعلم يا حضرة الحاخام انني اذهب للمعبد كل سبت ولا اتكاسل عن ذلك ابدا . . . )
ابتسم الحاخام في هدوء و هو يقول . . .
( الى اي معبد تذهب؟ )
اجابه الرجل بنفس الحماس . . .
( معبد بيت لحم يا سيدي )
اتسعت ابتسامة الحاخام و هو يقول . . .
( عند اخونا الاكبر حضرة الحاخام بنيامين عازار )
تهللت اسارير الرجل اكثر و اكثر و بلغ منه الحماس مبلغه و هو يكاد ان يهتف . . .
( أو تعرفه يا سيدي . . . ؟ )
اجابه الحاخام بنفس الابتسامه الهادئه . . .
( بالطبع لقد تتلمذت على يديه لفتره من الزمن . . . في موسكو )
( فليباركك الرب يا سيدي..فليباركك الرب . . . )
قالها الموظف و هو يختم جواز الحاخام في حماس و يناوله اياه و يقول . . .
( هل سنراك في المعبد يوم السبت القادم يا سيدي )
اجابه الرجل في هدوء . . .
( اذا بقيت في اسرائيل الى السبت القادم . . . اعدك ان اراك هناك )
قالها و انصرف و الموظف يتابعه ببصره في غبطه . . .
سار الحاخام بخطوات هادئه الى خارج المطار و توقف يتطلع الى المدينه قليلا و يستنشق هوائها في عمق ثم اشار الى سيارة اجره اقتربت منه . . .
( هل تاخذني الي المعبد من فضلك؟ )
قالها لسائق سيارة الاجره . . .
( اي معبد تقصد يا حضرة الحاخام؟ )
( اقرب معبد ممكن . . . )
( يمكن ان اخذك الى معبد باب اللوق . . . )
( اعتقد ان هذا قريب كفايه من بيتي )
فتح الحاخام باب السياره الخلفي و دلف الى الداخل . . . و انطلقت السياره . . .
و بعد عدة دقائق . . . قال السائق للحاخام . . .
( ايه اخبار الرحلة يا فندم . . . )
رد الحاخام الذي لم يكن سوى اشرف الجلاد . . .
( الحمد لله عدت على خير . . . اتطمنت على بشير؟ )
اومأ السائق براسه ايجابا و قال مبتسما . . .
( طبعا يا فندم . . . بشير ما يتخفش عليه هوا حافظهم كويس . . . )
( الحمد لله . . . المفروض ان مصطفى هايوصل الصبح من المانيا . . . هاتطلع تجيبه انت ؟ )
( لا يا فندم انا بكره لازم اكون في ناتنيا الصبح بدري . . . ابو مراد هوا اللي هايجي . . . )
ابتسم اشرف ابتسامه باهته و هو يتذكر ابو مراد الفلسطيني الذي اشرف شخصيا على تدريبه في مصر ضمن مجموعات الفدائيين..
ران عليهم الصمت للحظات قبل ان يقول السائق . . .
( انت مطول يا فندم؟ )
اتسعت ابتسامة اشرف الباهته قبل ان يقول . . .
( انشا الله لا . . . )
لم يزد السائق الذي هو احد رجال المخابرات المصريه عن ذلك فهو يعرف ان المعلومات بقدر الحاجه فقط . . .
وصلا الى بيت في حي هادئ من احياء تل ابيب الراقيه . . . نزل اشرف من السياره و نقد الرجل اجرته ثم حمل حقيبته الصغيره و دلف الي البيت..في هدوء . . . اغلق الباب خلفه ثم ازاح الستائر قليلا و اخذ يتفحص الشارع يمنه و يسره بعينيه الخبيرتين ثم ما لبث ان اعاد الستائر الى مكانها و احكم اغلاق مزلاج الباب . . .
القى جسده على مقعد قريب له و اراح راسه الى الخلف مرهقا . . . فقد قضى ايام طويله في الاعداد لتلك الرحله . . .
سافر من القاهره الى موسكو . . . ليقابل بعض رجاله هناك الذين اعدوا له اورق شخصية الحاخام اليهودي ذو الاصل الروسي و الذي هاجر الي امريكا في فترة الحرب البارده و كان قد قضى قبلها ايام في دراسة تلك الشخصية جيدا و ساعده على ذلك اتقانه التام للغة الروسيه و معرفته القويه بالروس و طبائعهم بحكم عمله في مكتب المخابرات في موسكو لسنين طويله . . . ثم طار من موسكو الى برلين ثم من برلين الى تل ابيب . . . و ها هو ذا في تل ابيب اخيرا . . . كانت تلك المره الثانيه التي ياتي فيها الى تل ابيب . . .
حانت منه التفاته الي مرآه قريبه . . . ليطالع فيها و جهه الذي اضيفت اليه بعض الماسكات المتقنه و ضفيرات الشعر المجدول الاصطناعيه ليصبح شكله متطابقا مع الحاخام افراييم ميسولوفيتش . . .
و لكنه لم يكن ينظر الى تنكره المتقن بل كان ينظر الى نفسه . . .
الي عينيه المختفيتين تحت حاجبين كثين . . .
الى الحزن العميق الذي يختفي خلف قناع من الهدوء الشديد . . .
كان استشهاد عادل مازال جاثما علي صدره بشده . . .
كانت كلماته و تعليقاته الحماسيه مازالت تطن في ذهنه طنينا شديدا . . .
حتى في احلامه . . . كان عادل حاضرا دائما . . .
كان عادل اكثر من تعلق بهم في عمله . . . و ان لم يظهر له ذلك ابدا . . . كان دائما صارما حازما كما يجب ان يكون رجل المخابرات . . .
لا مشاعر تظهر علي السطح ابدا . . .
و كان ذلك اكثر ما يؤلمه . . .
كم تمنى ان يخبر عادل كم هو عزيز على قلبه . . .
معزة اخيه الصغير الذي استشهد هو الاخر في عدوان 67 . . .
لكنه لم يفعل . . . و لم يكن ليفعل . . . فهو يعلم جيدا ان اخطر شيء عليه و على زملاؤه . . . الافصاح عن المشاعر و التعلق بالاشخاص . . .
لم يندم ابدا انه فعل ما تعلمه و لكنه كان حزينا . . .
فقط حزين . . .
تلك الدوامه التي لا تنتهي ابدا . . .
دوامة الصراع . . .
صراع المخابرات . . .
الذي تراق فيه الدماء و يدفع الرجال ارواحهم في صمت . . .
بلا ضجه . . .
و لا نياشين و لا تكريم . . .
الانتصارات صامته تماما كما الهزائم . . .
كان يعلم ان الصراع مع الاسرائليين باق بقاء الدهر . . .
و ان انتهت الحرب العسكريه اذا انتهت . . . فسيظل ذلك الصراع قائما . . .
كان قد سمع اخبارا عن نيه القياده في القيام بعمل عسكري ضد اسرائيل تلك السنه . . .
و لكنه يعلم ايضا ان للامور حسابات سياسية و اقتصاديه تفرض نفسها على واضعي القرار . . .
لذلك لم يتحمس كثيرا فقد سمع ذلك الكلام اكثر من مره . . .
تنهد ثم نهض مستجمعا عزيمته . . .
اتجهه الى الغرفه . . . القى عليها نظرة فاحصة ثم رقد بجوار الفراش و ازاح طرف السجاده المنقوشه . . . مد يده لينتزع جزئا من ارضية الغرفه فتحرك معه بسلاسه . . .
انتزعه من مكانه في هدوء . . .
مد يده الى التجويف باسفله ليخرج مسدسا مزودا بكاتم للصوت . . .
دسه في جيبه . . .
اعاد كل شيءالى مكانه . . .
نهض و اتجه الي باب البيت . . .
اطل براسه ليتاكد من خلو الطريق . . .
ثم غادر..
----------------------------------------------------------------------------------------------------
تل آبيب . . .
اليوم التالي صباحا . . .
مكتب مدير الموساد . . .
( ماذا تعني بذلك؟ . . . ماذا تعني بانهم لا يعلمون شيئا؟ . . . ما فائدة تلك الاموال الطائله التى تغدق عليهم يا داود؟ )
قالها المدير بعصبيه لمساعده . . .
تنحنح المساعد داود و تكلم بقلق . . .
( سيدي من الواضح ان المصريين اصبحوا يجيدون تمويه تحركات رجالهم في الفتره الاخيره . . . )
حدق الرجل فيه بغيظ و قال بشيء من التهكم . . .
( هذا الشئ طبيعي يا داود . . . طبيعي ان يغطون تحركات رجالهم . . . )
قالها ثم هتف في غضب . . .
( انهم جهاز مخابرات و ليسو رجال شرطه . . . هذا هو الطبيعي . . . و لكن الغير طبيعي ان يفشل رجالنا المدربين في معرفة اي معلومه و لو صغيره عن تلك التحركات )
تردد داود قليلا و هو يعيد النظر الى مجموعه من الاوراق بين يديه . . .
( سيدي هناك معلومات قليله بالفعل . . . لكنها مهمه . . . على ما اظن )
قالها بتردد اكبر . . .
( هذه ليست بمعلومات . . . ان تقولو لي انهم لا يعرفون ما اذا كان الجلاد قد غادر مصر ام لا . . . ان تقولو لي انه من المحتمل ان احد رجاله قد سافر الى ايطاليا . . . هذه ليست بمعلومات . . . هذه افتراضات )
قالها الرجل غاضبا . . .
( سيدي نحن نراقب كل المنافذ التي من الممكن ان يدخل منها و لا يمكن ابدا ان يمر دون ان نكشفه . . . )
قالها داود و هو يناوله مجموعه من الاوراق . . .
( ما هذا؟ )
( سيدي هذه قوائم بكل من دخل و خرج من و الى اسرائيل ليلة امس . . . )
القى الرجل الاوراق بسخط . . .
( و هل تريدني ان اطلع عليها كلها ام تريد ان تراقب كل الاشخاص القادمين و من قال لك انه لن يدخل اليوم او غدا مثلا )
قالها المدير بحنق . . .
فاستطرد داود . . .
( عفوا سيدي هذه القوائم قد تم بالفعل التدقيق بها و الخبراء يأكدون انها نظيفه كما ان قوائم المسافرين تاتيني يوميا بعد ان يتطلع عليها الخبراء )
نظر اليه المدير للحظات ثم قال . . .
( ماذا عن المنافذ البريه )
( تم تامينها ايضا يا سيدي . . . )
ران الصمت عليهم قليلا قبل ان يقول داود . . .
( سيدي اذا سمحت لي . . . لقد اجمع معظم خبرائنا على ان المصريين قد يتمهلو كثيرا قبل ان يقوموا برد فعل علي هذا المستوى اي في تل ابيب كمـ . . . )
قاطعه المدير قائلا بسخريه . . .
( لقد سمعت هذا الكلام قبل تصفية مكتبنا في موسكو ببضعة ساعات . . . بضعة ساعات فقط يا داود . . . اتذكر؟ . . . لقد خرجت من عندي واثقا ان المصريين لن يقوموا بعمل -على هذا المستوى- لتعود بعدها بساعات قليله مطأطأ لتخبرني بان رجالنا السته قد تم تصفيتهم في موسكو )
( نعم سيدي و لكن المكان مختلف . . . فهذه تل ابيب و ليست موسكو )
( و لكن الشخص نفسه يا داود . . . )
هتف بها المدير في غضب . . .
لاذ داود بالصمت لفتره قبل ان يقول في تردد . . .
( سيدي لماذا نجزم بان الجلاد سيقوم بتنفيذ عمليه على ارضنا . . . لا يوجد دليل ملموس واحد يؤكد تلك الفرضيه )
حدق فيه المدير لفتره ثم قال بهدوء نسبي . . .
( داود . . . لقد عملت في هذا المجال منذ كنت في العاشره من عمري . . . صار لي وقت طويل على ما اظن يؤهلني للحكم على الامور . . . و لذلك انا انا اجلس هنا علي رأس اقوى جهاز مخابرات في العالم . . . عندما كنت اعمل لصالح المقاومه الفرنسيه اثناء الحرب العالميه الثانيه . . . كنت طفلا لم اتجاوز العاشره و رغم ذلك لم يخيب حدسي ابدا . . . كنت اشم رائحة الالمان من على بعد اميال يا داود . . . لم ينجح الجستابو ولا مره في ان يفاجأني . . . رغم انه فاجأ الاخرين كثيرا . . . )
صمت قليلا ثم تنهد و شبك كفيه امام وجههو هو يحدق في الفراغ . . .
( سياتي الجلاد . . . هذه حقيقه لا تقبل الشك . . . و ليذهب خبرائنا الدارسين في امريكا الى الجحيم . . . )
قالها في بطيء و هو يفكر . . .
( سيدي . . . ماذا تأمرنا ان نفعل؟ )
قالها داود . . .
لم يرد الرجل و ظل شاردا لفتره . . .
ثم قال . . .
( هل احضرت لي قائمه بالاهداف المتوقعه؟ )
ناوله داود ورقتين على الفور و هو يقول . . .
( بالطبع يا سيدي )
القى الرجل نظره سريعه على الورقتين ثم القاهم في اهمال و هو يقول . . .
( مثل ما شرحت لكم . . . كل هدف من الاهداف يغير مكان اقامته و تضع فريقا مدربا مكانه في البيت حتى يبدو الامر طبيعيا . . . و اذا صدق حدسي و جاء الجلاد وحده او مع فريق . . . )
صمت قليلا و لمعت عيناه بشده . . .
( يقع في مصيده محكمه . . . نقبض عليه حيا . . . و يكون صيدا يعطي المصريين درسا لن ينسوه . . . )
نهض داود متحمسا و هو يقول . . .
( لقد تم نامين كثيرا منهم بالفعل يا سيدي و حلت فرقنا محلهم . . . و ساشرف بنفسي علي بقية التحضيرات )
نظر اليه المدير نظرة ذات مغزى و هو يقول ببطيء . . .
( اذا قبضنا على ذلك المصري سنربح كثيرا . . . علي المستوي الشخصي ايضا . . . و سنؤكد للقاده السياسيين اننا اهل ثقه . . . )
صمت ليرى تاثير كلماته علي داود الذي انتشى كثيرا . . .
( و لكن اذا لم نفعل . . . و نجح هو في ان ينفذ عمليته . . . )
قالها ببطء و عمق و هوا يضغط على كلماته . . .
( لن نجد مكانا في الارض نختبئ فيه من الاهانه و العار . . . هل تفهم ذلك؟ )
تنهد داود و قال . . .
( نعم افهم جيدا ياسيدي )
اشار له المدير بيده فانصرف داود . . .
تاركا الرجل يغرق في التفكير . . .
------------------------------------------------------
اليوم التالي
السابعه صباحا . . .
ترجل جاكوب فريدمان من سيارته قرب مقهى صغير في احد احياء تل آبيب الهادئة . . .
اتجه اليه في خطوات سريعه و ملامح جامده . . .
نظارته الشمسيه الانيقه تخفي معظم تعبيرات وجهه..
دخل الي المقهي . . .
اتجه الى البار . . . وضع حقيبته الجلديه الصغيره على البار . . .
( القهوه اذا سمحت . . . )
قالها للساقي و هو يجلس علي احد مقاعد البار العاليه و يتناول الصحيفه . . .
انهمك في قرائتها و هو يطالع الساعه بين الحين و الاخر . . .
جائته القهوه ساخنه تتصاعد منها الابخره . . .
ارتشف منها رشفات سريعه في صمت و هو يقلب الجريده بين يديه . . .
كان رجلا طويل القامه قوي البنيه اشقر الشعر . . . انيق للغايه . . .
يوحي مظهره بالغموض الي حد كبير . . .
و بينما هو منهمك في القرائه استرعى اتنباهه شخص يتحدث مع الساقي بالانجليزيه و بلهجه امريكيه واضحه . . .
( يا الهي الا تفهمني؟ . . . اي بلد هذا . . . يا صديقي انا اسئلك . . . هل لديكم افطارا امريكيا ام لا . . . . )
كان الرجل الامريكي منفعلا و هو يحاول ان يتواصل مع الساقي الذي ارتبك بشده و هو يحاول ان يتحدث معه بالانجليزيه و لكن انجليزيته الركيكه لم تساعده و زادت من ارتباكه و من عصبية الرجل . . .
تطلع اليه جاكوب للحظات و هم و كانه سيتدخل ثم عاد و التفت الي الجريده مرة اخرى في لا مبالاه . . .
( حسنا . . . اجلب لي اي شيء . . . لا ابالي . . . لقد اصابني الاعياء من تلك البلد على اية حال . . . )
قالها الامريكي للساقي بنفاد صبر ثم عاد و عادها بعبرية ركيكه . . .
( اي . . . شيء . . . لل . . . اك . . . .ل )
اومأ الساقي اليه في فهم و اخذ يعقب على كلامه بالعبريه بسرعه و بحماس و كان قد تنفس الصعداء بعد ان فهم ماذا يريد الامريكي . . .
فاشار له الامريكي بيده موقفا و قال بسخريه و بالانجليزيه هذه المره . . .
( . . . لا لا . . . ليس بسرعه . . . انا مازلت اتعلم العبريه . . . ارجوك . . . )
حدق الساقي في وجهه غير مدرك لما يقول ثم لم يلبث ان واصل بنفس الحماس و هو يشير الى قائمة الطعام و يشرح له . . .
( كفى . . . الرجل يريد فطور امريكي فقط . . . لا داعي لان تشرح له كل القائمه )
قالها جاكوب بالعبرية مقاطعا الساقي الذي نظر اليه في ارتباك ثم ظهرت عليه امارات الفهم فانطلق بسرعه ليعد الطعام و هو يبتسم للامريكي بين الحين و الاخر . . .
نظر الامريكي الى جاكوب في دهشه ثم اقترب منه مبتسما . . .
( اوه اشكرك للغايه يا صديقي . . . هذا الرجل لم يكن ليفهمني و لو بعد سنه )
قالها بالامريكيه و بود واضح . . .
( لا عليك . . . )
قالها جاكوب بهدوء و هو يعيد بصره الى الجريده . . .
( دكتور بشير بن اليعازر )
قالها بشير و هو يمد يده مصافحا جاكوب . . .
مد جاكوب يده اليه في بساطه . . .
( جاكوب بن موسى )
تطلع اليه بشير مبتسما ثم قال . . .
( انت امريكي؟ . . . يا الهي انت من تكساس على الارجح . . . لا اخطئ لهجتكم ابدا )
( انا اسرائيلي )
اجابه جاكوب ببرود به شيء من الصرامه . . .
( اوه بالطبع يا صديقي كلنا اسرائيليين . . . انا اعني موطنك الاصلي )
قالها بشير مازحا . . .
( نعم صحيح . . . ولدت في تكساس )
اجابه جاكوب في برود..فواصل بشير . . .
( اوه يا صديقي . . . انا هنا في اسرائيل منذ يومين فقط و لكنني اعاني معاناه شديده . . . غريبه تلك البلد . . . لا احد يتكلم الانجليزيه . . . و انا لازلت ادرس العبرية . . . يمكنك ن تتصور ذلك . . . انه جحيم )
طوى جاكوب الجريده و التفت اليه . . .
( و ذا كنت تعاني لهذه الدرجه يا سيد اليعازر لماذا اتيت الى هنا )
قالها جاكوب بشيء من الصرامه . . .
( انها ارض الميعاد يا صديقي . . . اتيت لارى ارض الميعاد . . . وعد الرب الذي تحقق بعد كل تلك السنوات و كل تلك المعاناه التي عاناها شعبنا العظيم )
قالها بشير بحماس شديد و هو يتطلع الى جاكوب . . . الذي لانت ملامحه قليلا و هو يقول . . .
( اذن فلا تتذمر . . . تلك البلد سوف تحتاج الي جهد كبير لكي تصبح مثل الولايات المتحده . . . )
اجابه بشير بنفس الحماس . . .
( لذلك انا هنا يا صديقي . . . جئت لاقدم خبراتي الطبيه لوطني . . . و شعبي )
صمت جاكوب قليلا ثم تطلع الى الساعه . . . وقال . . .
( في اي مجال طبي تخصصك )
اجابه بشير علي الفور بفخر . . .
( في الجراحه يا صديقي . . . انا امهر جراح في نيو جرسي كلها . . . )
( عظيم . . . )
قالها جاكوب و هو برتشف القهوه )
( و انت ماذا تعمل ؟ )
قالها بشير في ود . . .
صمتت جاكوب قليلا ثم قال باقتضاب . . .
( اعمال حره )
ابتسم بشير قائلا . . .
( اووه رجل اعمال . . . المال يتكلم )
هز جاكوب كتفيه في بساطه و هو يعيد تقليب صفحات الجريده . . .
( اووه هل نسيت حافظة نقودي هذه المره ايضا )
قالها بشير و هو ينهض ليتفحص جيبه الخلفي . . .
لكنه و بحركه متقنه بدت طبيعية تماما دفع حقيبة جاكوب الجلديه فسقطت ارضا . . .
( اوووه المعذره . . . هذا خطائي )
قالها بشير في حرج و هو ينحني ليلتقط الحقيبه و لكن جاكوب كان اسرع منه فانحني ليلتقطها قبله . . .
و هو يقول..
( لا عليك . . . )
وقبل ان يعتدل جاكوب كان بشير قد اقترب بيده التي تستند الى البار من قدح القهوه الذي يتناوله جاكوب في لمح البصر و اضاف قطره اليه بسرعه من انينه صغيره كان يحملها في يده . . . ثم اعادها بخفه فلم يلمحه احد . . .
( عفوا يا صديقي . . . حركاتي مفاجأه في كثيرا من الاحيان )
قالها بشير في اسف . . . )
قبض جاكوب بيده على الحقيبه الجلديه و هو يرمقه في شيء من الشك و يقول . . .
( لا عليك . . . )
قالها ثم اشار الى الساقي ان ياتيه بالحساب . . .
تعلقت عينا بشير بقدح القهوه عندما امسك به جاكوب باحدي يديه و هو يطوي الجريده بالاخرى . . .
بدا و كانه سوف يتناول رشفة اخرى منه . . . لكنه عاد و اعاد قدح الى موضعه و هو يتجهز للرحيل . . .
لم تتغير ملامح وجه بشير المبتسمه . . .
لكنه قال في بساطه . . .
( ارجو ان لا اكون قد ضايقتك . . . )
( لا عليك )
عادها جاكوب ببرود و هو يتناول حقيبته الجلديه . . .
هز بشير راسه محييا . . . و هو يقول . . .
( الى اللقاء اذن . . . اراك في الجوار )
اشار اليه جاكوب بيده و هم بالانصراف . . . لكنه توقف . . .
تناول قدح القهوه ارتشف ما تبقى منه دفعه و احده . . .
اعاده الى البار مره اخرى ثم اشار الى بشير من جديد . . .
و انصرف . . .
تنفس بشير الصعداء . . . ثم ابتسم في سخريه . . .
اشار الى الساقي ان ياتيه بالحساب . . .
انتظر قليلا . . .
نقد الساقي ورقة ماليه من فئه كبيره . . .
ثم انصرف و الساقي يشيعه بنظرات مندهشه . . . فلم يعتاد ان يترك له احدا اكراميه بهذا المبلغ . . .
انطلق جاكوب بسيارته . . .
اخذ يعالج المذياع حتى وصل الى احد محطات الاخبار فرفع الصوت قليلا و اخذ ينصت . . .
كان الزحام قدا بدأ بالفعل في ذلك الوقت من النهار . . .
و توقفت سيارته بسببه عدة مرات . . . .
و هو يقترب من الاشاره الضوئيه . . .
تململ و زفر في ضجر . . .
( اللعنه . . . بلد صغيره و مزدحمه رغم ذلك . . . )
قالها ثم تثائب . . .
و بعد عدة دقائق تثائب مره اخرى . . . .
( ما كل هذا النعاس لقد اويت الى الفراش مبكرا و تناولت قدحا كاملا من القهوه . . . )
قالها حانقا و هو يشعر بالنعاس ثقيلا . . .
و بعد دقيقة اخرى كانا جفنيه يتثاقلان رغما عنه و بدات الرؤيه تغيب ..
جاهد حتى لا يفقد وعيه و ضغط على دواسة الوقود بحركه لا اردايه فاندفعت السياره بعنف . . . .
لم يكن يسيطر علي السياره نهائيا فقد تراختا يداه على عجلة القيادة و اصبحت الرؤيا امامه ضبابيه . . .
كان يرى السيارات الاخرى تقترب في سرعه و هو عاجز عن ان يفتح عينيه او يتخلص من الدوار . . .
غمغم في جزع و وعية يهوي بسرعه . . .
( اللعنه انه الامريكي . . . لقداتـ . . . )
لكنه بتر عبارته بغته عندما اصتدمت سيارته بسياره اخري بعنف شديد و ارتطدم راسه بزجاجها الامامي فسقط مغشيا عليه . . . .
توقف السير فاجاه بعد ارتطام سيارته بالسياره التي امامه . . . و نزل سائق السياره التي اصتدم بها غاضبا و هو يصرخ بغضب و يتقدم من سيارته . . .
و لكن ما ان رآه منكفئا على مقود السياره فاقدا للوعي حتى صرخ في الناس الذين بدأوا في التجمهر حول السياره . . . . . .
( اطلبو الاسعاف لقد فقد الرجل وعيه . . . )
قالها و هو يعيد راس جاكوب الى الخلف و يحاول افاقته . . .
تجمهر بعض سائق السيارات حوله و حاول بعضهم مساعدته في افاقة جاكوب . . .
برز من بين الزحام بشير . . .
تقدم الى سيارة جاكوب . . .
القى نظره عليه في اهتمام . . .
( ابتعد من فضلك انا دكتور . . . )
قالها بالعبريه . . . .
ابتعد الرجل مرتبكا فتقدم بشير اليه و اخذ يتفحصه و يقيس نبضه في حنكه و الناس تراقبه . . .
( هذا الرجل قد يكون اصيب بارتجاج في المخ او عنده نزيف داخلي يجب ان ناخذه الى المستشفى فورا . . . )
قالها بشير الى السائق الاخر في حزم . . .
فاجابه الرجل بارتباك . . .
( لقد طلبنا الاسعاف بالفعل . . . )
القى بشير نظره قلقه على الزحام الشديد ثم قال للرجل . . .
( سوف تتاخر سيارة الاسعاف بسبب الزحام . . . و لكن يمكننا انا ناخذه الى عيادة صديق لي قريبه من هنا . . . )
اجابه الرجل مترددا . . .
( يجب ان اذهب الى عملي و لا استطـ . . . )
قاطعه بشير حاسما . . .
( يمكن ان تتركه يموت و لكنني سوف اتصل بالشرطه . . . )
اسقط في يد الرجل فشرع يساعد بشير في اخراج جاكوب من سيارته ليضعاه في سيارة الرجل و ينطلقا . . . .
و ما ان ابتعدت السياره قليلا حتى قال الرجل الذي لم يكن سوى مصطفى . . .
( الحمد لله عدت على خير . . . )
اجابه بشير و هو يشمر احد ذراعي جاكوب ليغرس فيه محقنا ببطيء . . .
( الحمد لله يا مصطفى . . . بس هلا بدنا نعجل لانهم راح يكتشفوها بسرعه . . . . )
اجابه مصطفى و هو ينحرف بالسياره في شارع فرعي . . .
( طبعا هوا مش بالاهمال اللي يخليه يحط ورق مهم زي ده في الشنطه اللي معاه ولا ايه؟ )
اخرج بشير المحقن من ذراع جاكوب . . . و هو يقول . . .
( لا ما بعتقد هدا الزلمه صارلو زمن بيشتغل بالموساد . . . و لكن بنلقي نظره )
قالها و فتح الحقيبه و اخرج منها مجموعه من الاوراق تفحصها في سرعه ثم قال . . .
( متل ما توقعنا . . . ما في شي )
انحرف مصطفى في شارع جانبي اخر و هو يلقي نظره على مرآه السياره ليتاكد من ان احدا لا يراقبهم . . .
( طيب . . . تفتكر مفعول المصل ده هايجيب نتيجه معاه؟ )
قالها لبشير . . .
( شوف يا مصطفى . . . متل ما بتعرف . . . ضباط المخابرات كلهم بيعطوهم تطعيم ضد مصل الحقيقه ياللي هوا بنتوثول الصوديوم و هاد المصل ما بيكون كتير فعال اذا الانسان اخد تطعيم اله لكن المصل ياللي حقنته اياه مطور نسبيا و مركز مشان يقدر يتخطى مفعول التطعيم . . . بس بتضل النتائج بايد الله )
اومأ مصطفى براسه ايجابه و هو يقول . . .
( و الله معانا انشا الله ) . . .
صف السياره في احد الشوارع الجانبيه الهادئه و تعاون هو و بشير على حمل جاكوب الفاقد للوعي . . .
ادخلاه الى المصعد الذي ارتفع بهم الى الطابق الرابع . . .
دفعا باب المصعد بحذر ثم سحباه الى الخارج . . .
انفتح احد ابواب الشقق و ظهر علي عتبتها كهل في الخمسينات من عمره يرتدي زي الممرضين . . .
ادخلو جاكوب الى الداخل بسرعه و اغلقوا الباب . . .
كانت تلك الشقه عبارة عن عياده طبيه تستخدمها المخابرات المصريه . . . .
ارقدوه على طاولة الفحص . . .
و القى الممرض الكهل عليه نظرة صارمه طويله . . .
دخل اشرف عليهم و هو مازال محتفظا بتنكره . . .
( اووه حضرة الحاخام اشرف الجلاد )
قالها بشير بالعبرية مازحا و هو يحتضن اشرف بقوه . . . .
( اووه دكتور بشير . . . كيف حالك يا صاح )
رد عليه اشرف مازحا بالامريكيه . . .
قالها ثم صافح مصطفى بقوه و هو يقول . . .
( ازيك يا بطل . . . )
( انا تمام يا فندم . . . )
( اتجمعوا الحبايب كلهم . . . شو بدنا نضايفكم يا ساده )
قالها الممرض باللهجة الفلسطينيه بمرح . . .
( اعملنا كوبايتين مية نار نشربهم للاخ جاكوب و حيات والدك يا ابو شهاب )
قالها مصطفى ضاحكا . . .
انخرطوا جميعا في الضحك . . . حتى عقب ابو شهاب بمزيج من المراره و السخريه . . .
( و الله هادول ما بيكفيهم مية النار يا ولدي . . . هادول بدهم حرق كلهم . . . متل ما حرقوا قلوبنا )
اختفى المرح بغته و حل محله بعض الوجوم . . .
خيم عليهم الصمت لبرهه قبل ان يتكلم بشير . . .
( سيد اشرف . . . بدنا نخلص في ساعه مو اكتر . . . ما بعتقد هايمرقوها هيك . . . اكيد بدهم يقلبوا الدنيا عليه . . . )
( طبعا . . . يالا خلينا نبدأ و ربنا يكرمنا باذن الله )
قالها اشرف . . .
شرع بشير في تقيد يدي جاكوب في احكام و هو يعد المصل . . .
و تحرك مصطفى الى النافذه ليراقب الموقف . . .
انتحى اشرف بأبو شهاب الفلسطيني جانبا و جلسا . . .
نظر اليه اشرف . . .
( انتوا جاهزين يا ابو شهاب؟ )
قالها اشرف في هدوء . . .
( جاهزين يا معلم . . . الوقت اللي بدك اياه بنفذ . . . )
قالها ابو شهاب بحماس و صرامه . . .
( انت عارف يا ابو شهاب ان الموضوع ممكن يقلب مجزره . . . دي عمليه فدائىه من الدرجه الاولى . . . رجالتك مستعدين لده؟ )
قالها اشرف في بطيء . . .
( الله اكبر شو هاد الحكي يا معلم اشرف . . . شبابنا جاهزين يرموا حالهم في النار مشان وطنهم )
قالها ابو شهاب بشيء من الانفعال و الحماس . . .
( فربت اشرف على كتفه مبتسما و هو يقول . . .
( انا واثق من كده يا ابو شهاب و لولا ثقتي فيك و في رجالك مكنتش ابدا اخترتكم عشان تساعدونا في عملية خطيره زي دي )
( و احنا قدها يا معلم . . . و لو استشهدنا كلنا . . . )
قالها ابو شهاب بقوه و ثقه . . .
كان بشير قد انهى حقن جاكوب بالمصل كما انه لطخ قميصه و وجهه ببعض السائل الاحمر الذي يشبهه الدم فالتفت الى اشرف و قال . . .
( جاهز يا سيد اشرف )
القى اشرف نظره طويله على جاكوب الملطخ و كانه نزف كثيرا . . .
كان يتمنى لو انه قتله بالفعل . . .
مع انه لم يكن عسكريا . . .
بل كان امين سر فرع المعلومات في الموساد . . .
ولكنه لم يكن ينظر اليه الا على انه العدو . . .
كلهم اعداء . . .
منذ ان انتزعو ارض فلسطين قسرا . . .
لم يكن اشرف من اللذين يقتنعون بان المدنيين الاسرائيليين غير العسكرين . . .
كلهم غزاه . . .
كان يتصور جاكوب حاملا سلاحه و هو يقود جرافته لهدم منازل الفلسطنيين و طردهم من ارضهم . . .
لهدم منزل ابو شهاب مثلا . . .
ابو شهاب الذي هدمو منزله فوق طفليه و زوجته . . .
و اوسعوه ضربا و تعذيبا ثم القوه في الوادي . . .
و لولا العناية الالهيه التي انقذته لكان في عداد الاموات . . .
و كثيرين غير ابوشهاب . . .
شعب فلسطيني كامل تم قهره و تشريده . . .
كان يري في جاكوب الظابط الاسرائيلي الذي قيد اخاه و كتيبته و عبر فوق اجسادهم بالدبابه في سيناء . . .
كان يرى فيه الطيار الاسرائيلي الذي قصف بيت بشير في الجولان ليستشهد كل افراد عائلته السبعه . . .
كان يرى فيه وجهه عادل و انفاسه المتقطعه . . . و يده التي كانت تتشبث بصدره . . . و نظرته المتألمه الحزينه . . .
( اشرف . . . )
همس بها بشير ليوقظه من شروده . . .
( ايوا يا بشير . . . )
قالها اشرف و هو يحاول ان يخفي انفعاله . . .
( شو في؟ )
قالها بشير و هو يتطلع الى عينيه . . .
اطرق اشرف قليلا ثم قال . . .
( لا ابدا . . . بس كل ما نفرد بواحد من الكلاب دول افتكر حالنا . . . )
ابتسم بشير ابتسامه حزينه باهته و تنهد بقوه و هو يقول . . .
( حالنا افضل نحمد الله . . . عايشين و بنقاتلهم بكل طاقتنا . . . و بيوم من الايام راح يشربوا نفس الكاس المر ياللي شربونا اياه . . . )
اومأ اشرف برأسه في حزن . . .
ران عليهم الصمت قليلا . . .
ثم وكزه بشير في كتفه مازحا و قال . . .
( و بعدين انت ليش زعلان . . . سمعنا انك مسحت مكتبهم في موسكو مسح و شنقت عميلهم في القاهره . . . شو بدك اكتر من هاد . . . بدك تشنق موشيه ديان؟ )
رفع اليه اشرف راسه و تطلع فيه بعينين يملؤهما الغضب . . .
( يا ريت اقدر اشنقهم كلهم يا بشير يا ريت . . . )
( بيجي يوم يا اشرف . . . بيجي يوم اكيد )
قالها بشير و نهض . . . تقدم الى جاكوب و نظر في ساعته ثم قال . . .
( ما في وقت كتير . . . لازم نبدأ )
نهض اشرف و مسح و جهه بكفيه . . . و قال . . .
( انا جاهز . . . يالا فوقه )
اخذ بشير يمرر قطنه مبلله بالعطر من امام انف جاكوب للحظات فبدا الرجل يحرك راسه ببطء . . . و هو يغمغم بكلمات غير مفهومه . . .
اشار اشرف لمصطفى فاطفأ الانوار الا من كشاف صغير مسلط على وجه جاكوب و التزم الجميع الصمت . . .
اخذ جاكوب يفتح عينيه بصعوبه و وعيه يتعافى تدريجيا..
و بعد عدة دقائق . . .
كان قد استعاد وعيه ولكن شعوري الوهن و الضعف الشديد مسيطيرين علىه تمام . . . كانه مسلوب الاراده بفعل المصل المركز . . .
تكلم بصعوبه . . .
( اين انا )
لم يتلقى جوابا و لم يرى احدا . . .
اعاد السؤال بثقل و هو يحاول ان يتحرك بلا جدوى . . .
دخل اشرف الى دائرة الضوء متقمصا شخصية الحاخام . . .
فحدق فيه جاكوب بذهول و بعزبمه و اهنه قال . . .
( من انت . . . )
( انا الحاخام افراييم ميسولوفيتش . . . الا تذكرني يا ولدي )
اتسعت عينا جاكوب في ذهول . . . وهو يحدق في اشرف الذي لم تكن ملامحه تختلف كثيرا عن الحاخام افراييم الحقيقي بسبب تنكره المتقن . . . )
و تكلم بصوت ضعيف للغايه و هو يحرك راسه يمنه و يسره . . .
( مستحيل . . . مستحيل . . . كيف قدمت من امريكا . . . كيف ) . . .
( انت الذي اتيت يا ولدي )
حاول جاكوب ان يدير راسه في المكان و لكن سيطرته على حركته كانت ضعيفه . . .
( سوف تنتقل الى العالم الاخر الان يا ولدي . . . لقد اتيت لاساعدك . . . )
قالها اشرف و اشار بيده من خلف ظهره اشاره ذات مغزى فادار ابوشهاب اسطوانه بجواره . . .
و في ثواني على صوت ترانيم دينيه عبريه بصوت عميق . . . .
اتسعت عينا جاكوب و هو يتطلع الى السائل الاحمر على قميصه و اخذ يغمغم . . .
( لا . . . انا لم اموت . . . لا . . . لا اريد . . . )
( يجب ان تعترف بكل خطاياك قبل ان ترحل عن ذلك العالم يا جاكوب . . . )
قالها اشرف بصوت خافض عميق . . .
كان جاكوب يتطلع اليه في ذهول . . . بوعي محطم . . .
( قص علي خطاياك يا جاكوب . . . الوقت ينفذ . . . )
ظل جاكوب لفترة يحاول ان يتحرك بضعف شديد و لكنه لم يقوي . . .
دمعت عيناه و بغير ادراك اخذ يقص على اشرف خطاياه و تقصيره و اشرف يستمع في صمت و صبر . . . .
( اين رئيس العمليات الخاصه آرييل موردخاي )
قالها اشرف فاجأه عندما اشار له بشير من طرف خفي و هو ينظر في ساعته بعد ان حسب الوقت المتوقع لاكتمال سيطرة المصل على عقله . . .
غمغم جاكوب بعبارت غير مفهومه و هو يهز راسه . . .
اعاد اشرف عليه السؤال و تبادل مصطفى و بشير النظرات القلقه . . .
( انه في جفعاتيم . . . )
قالها بشير بلا وعي . . .
( اي قطعه؟ )
قالها اشرف محافظا على نبرة صوته العميقه . . .
و بدأت المعلومات تتوالى و تنطبع في ذاكرتي اشرف و مصطفي تحديدا . . .
و بعد اكثر من ربع ساعه كان جاكوب يقاوم حتى لا يسقط مغشيا عليه مرة اخري بعد ان ادلى لاشرف بكل ما يعرفه عن الشخصيات الحساسه الذين اخفاهم الموساد لكن جفناه تثاقلا و سقطا في النهايه . . .
اضاء مصطفى النور و تنفسوا جميعا الصعداء . . .
تبادلو النظرات الصامته . . .
و بعد دقائق . . .
( بشير انت لازم تختفي فورا . . . بس متنساش تديله حقنه مخدره قويه قبل ما تمشي . . . )
اومأ بشير براسه موافقا و هو يعد المحقن . . .
( ابو شهاب . . . جهز رجالتلك . . . الليله هانفذ بعون الله . . . )
قالها اشرف لابو شهاب بحسم . . .
( نحنا جاهزين يا معلم . . . )
تنهد اشرف و هو يراقب بشير الذي كان قد افرغ بالفعل محقنا مليئا بالمخدر في عروق جاكوب و اخذ يتاهب للرحيل . . .
( الله اعلم هاشوفك تاني امتى . . . او هاشوفك تاني ولا لأ . . . بس انا سعيد اني اشتغلت معاك للمره التانيه يا دكتور بشير . . . تحياتي للمخابرات السوريه )
ابتسم بشير في تأثر . . . و قال محاولا اخفاء انفعاله . . .
( بنتقابل بالشام او بالقاهره . . . بس بعد ما نخلص على هالكلاب هادول انشا الله )
صمتوا قليلا . . .
لملم بشير ادواته و حمل حقيبته و نهض . . .
تطلع اليه اشرف بامتنان . . .
مد يده فتصافحا بقوه . . .
ثم ما لبثا ان تعانقا . . .
شيعه اشرف الى الباب . . .
خرج بشير فاغلق اشرف الباب خلفه . . . .
( ابو شهاب . . . يالا عشان تلحق تجهز الرجاله )
قالها اشرف لابو شهاب الذي قال في حماس . . .
( بامرك يا معلم . . . هلا بروح بدك شي؟ )
( خلي بالك من نفسك يا ابو شهاب . . . ارواحكم انتو و الرجاله غاليه علينا قوي )
( و الله يا معلم و انتو غاليين بس الوطن اغلى من كل شي . . . و ارواحنا بترخص مشانه )
قالها ابوشهاب متاثرا و هو يغالب دموعه . . .
احتضنه اشرف و هو يقول . . .
( لا الله الا الله . . . . )
اجابه ابو شهاب بصوت متاثر . . .
( محمد رسول الله )
قالها و انصرف على الفور تاركا اشرف و مصطفى وحدهما . . .
-----------------------------------------------------
( ماذا تعني بانه لم يصل بعد؟ . . . اين ذهب بحق الجحيم؟ )
قالها داود و هو تطلع الى شاب يقف منتصبا امامه و قد بدا عليه القلق الشديد . . .
( سيدي . . . لم يصل الى المكتب و لم يتصل بنا و لميتـ . . . . )بتر الشاب عبارته عندما هتف به داود في حنق . . .
( و لم تبعث رجالنا لتقصي الامر و لم تراجع تقارير الشرطه . . . و ماذا ايضا يا شاؤول؟ )
توتر الشاب و احتار و هو يقول . . .
( سيدي لقد تاخر نصف ساعه فقط لذلك لم نرد ان نثير القلق حوله لانـ . . . . )
بتر عبارته مرة اخرى . . .
( هرااااااااااء )
صرخ بها داود و هو ينهض . . .
( ذلك الرجل منتظم في ميعاده منذ خمسة سنوات لم يتاخر قط . . . كما انه موقعه حساسا للغايه . . . و نحن في حالة تاهب يا شاؤول . . . كان من المفروض ان تتحرك اولا ثم تبلغني بعد ذلك . . . )
غمغم شاؤول قائلا . . .
لقد تصورت ان اخبارك اولا اهم )
( ابعث برجالنا على الفور ليتقصو الامر و كن على اتصال مع كل المستشفيات و مراكز الشرطه . . . بسرعه )
صرخ بها داود و هو يصرفه باشاره من يده و يتناول سماعه الهاتف . . .
انصرف الشاب بسرعه و اعتصر داود سماعة الهاتف و هو يفكر في سرعه . . .
( كيف سابلغه بذلك )
قالها ثم سحب نفسا عميقا و ادار قرص الهاتف بسرعه . . .
( جابي . . . اين انت؟ . . . . . . . . . . . . ..عظيم . . . اسمعني جيدا . . . اشك باختفاء جاكوب . . . . . . لا تقاطعني يا جابي ارجوك . . . .خذ رجالك و تقصى الامر بسرعه . . . تصرف من تلقاء نفسك لا تراجعني و اذا شعرت باي خطر لا تتردد . . . . . . ..نعم . . . .صحيح . . . ..جابي؟ . . . ..لا تخبر احدا ابدا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .لا اعرف يا جابي تصرف )
قالها و اغلق الهاتف و هو مازال معقود الحاجبين متوترا . . . .
رن جرس الهاتف فازدرد لعابه بصعوبه و زفر في قوه ثم تناول السماعه . . . .
( صباح الخير يا داود )
جائه صوت المدير هادئا . . .
( صباح الخير يا سيدي )
قالها و هو يحاول ان يحافظ على هدوئه . . .
( احضر لي ملف العميل 100 و تعالي بسرعه )
( بالطبع يا سيدي )
قالها و اغلق سماعة الهاتف متوترا . . . بقى في مكانه للحظات ثم نهض بسرعه و احضر ملفا ضخما حمله و هم بالخروج من المكتب لولا ان دق جرس الهاتف . . .
تناول السماعه بسرعه . . .
( سيدي . . . انه مفقود . . . )
جائه صوت شاؤول متحدثا في قلق . . . .
انعقد لسان داود من المفاجأه و ظل صامتا للحظه . . . .قبل ان يقول بصوت كالفحيح . . .
( ابحث عنه في كل مكان شاؤول . . . لا تعيد علي مسامعي ذلك الكلام الفارغ مره اخرى . . . خابرني في المره القادمه لتقول لي انكم قد عثرتم عليه . . . )
اغلق السماعه في عنف و اغمض عينيه قليلا و هو يتمتم . . .
( هذه بدايه لكابوس . . . كابوس ممكن ان ينتهي بانهاء خدماتي هنا . . . . )
زفر في حنق . . .
حمل ملفه و غادر المكتب متجها الى مكتب المدير . . .
دق بابه في احترام . . .
دلف الى الداخل و اغلق الباب خلفه . . .
دقائق قليله و تعالى صراخ المدير حتى كاد ان يخترق الجدران العازله للصوت . . .
------------------------------------------------------------------------------------
تحركت سياره اجره صغيره في شوارع تل ابيب المزدحمه . . . .
كان مصطفى يقود السياره و في الخلف جلس اشرف بهيئة الحاخام يطالع التواراه . . .
( سيد اشرف . . . تفتكر انهم هايخدو وقت قد ايه لحد ما يلاقوه . . . )
( مش اكتر من ساعه )
قالها اشرف دون ان يرفع عينيه عن الكتاب . . .
صمت مصطفى قليلا و هو فكر . . .
( انا عارف يا فندم ان الاوامر اني اكون مع مجموعة ابو شهاب بس . . . )
قالها ثم تردد . . .
( بس ايه؟ )
قالها اشرف بهدوء و هو ينظر اليه في مرآه السياره . . .
( بس يا فندم انا هابقى متطمن اكثر لو كنت معاك . . . اقصد متطمن عليك . . . قصدي يعني اكون فـ . . . . )
لمس اشرف كتف مصطفى بيده في رفق . . .
( خليها على الله يا مصطفى متقلقش . . . وجودك مع المجموعه اهم . . . دول شباب فدائيين لازم حد يسيطر علي حماسهم . . . مش عاوزين الموضوع يكبر اكتر من اللازم )
قالها اشرف في هدوء و رفق . . .
( بس يا فندم انت هاتكون لوحدك و ممكن اي تطور غير متوقع يحصل )
قالها مصطفى في قلق . . . .
( الاعمار بيد الله يا مصطفى . . . لكل اجل كتاب . . . )
اطبق مصطفي شفتيه و لم يتكلم . . .
ثم عاد بعد فتره يقول بقلق . . .
( انا خايف عليك يا فندم . . . )
لم يعلق اشرف و خفق قلبه في شده . . .
لم يظهر علي ملامحه ما يعتمل في نفسه ابدا . . .
كان رجاله بالنسبة اليه هم عائلته . . .
هو دربهم . . .
هو علمهم . . . زرع فيهم كل ما يستطيع من حب الوطن و الانتماء في احلك فترات الهزيمه . . .
هو من رشح مصطفى للعمل في المخابرات بعد ان كان في سلاح الدفاع الجوي . . .
هو من ضمد جراح نفسه بعد هزيمة 67 و داواها . . .
مازال يذكر عندما استدعي مصطفى اول مره الى مبنى المخابرات و كان في قمة التوتر . . .
مازال يذكر رفضه القاطع للعمل بالمخابرات و عناده الشديد . . .
عناده الذي دفعه لان يقدم استقالته من الجيش كله . . .
فقد كانت معلومات الناس عن المخابرات ايامها . . .
مشوشه . . . مبهمه . . . .
جهاز يعمل من اجل التجسس علي الناس و الزج بهم في المعتقلات . . .
احتواه اشرف و تحمل عناده و روده شيئا فشيئا حتي صار واحدا من المع رجال الجهاز . . .
و قسم العمليات الخاصه تحديدا . . .
كان يدرك ان خوف مصطفي عليه هو خوف الاخ الاصغر علي اخاه الاكبر و الابن على ابيه . . .
و كان يؤلمه بشده ان يخفي تعاطفه معه . . .
كان يود لو انه احتضنه بشده و هدئ من روعه و ربت على كتفه . . .
كابن . . .
و لكن طبيعة عملهم القاسيه البارده . . . و تعليمات الامن و السلامه فرضت عليه ان يتحدث بهدوء لا يخلو من الصرامه . . . .
( نفذ الأوامر يا مصطفي بدون نقاش . . . انت عارف معاد الرجوع . . . تنفذ مهمتك و تنفذ خطة الانسحاب . . . و بعديها بساعتين و نص تكون في روما . . . من غير اسئله . . . )
صمت قليلا ثم عاد يتطلع في التوراه و هو يقول بصوت جاهد حتي يجعله حازما . . .
( و من غير ما تبص وراك )
لمعت دمعه حزينه في عين مصطفى و هو يرمق اشرف بنظره سريعه في مرآه السياره . . .
لكنه لم يتكلم . . .
ولي الطريق اهتمامه و التزم الصمت . . .
----------------------------------------------------------------------------------
تجمع ابو شهاب المناضل الفلسطيني مع عدد الشباب المتشحين بالسواد حول منضده صغيره في غرفه تحت الارض . . . .مظلمه نسبيا يطالعون خريطه مرسومه رسما دقيقا و هم يتناقشون حول امر ما . . .
نظر ابو شهاب في ساعته . . .
( نبيل . . . السيد بشير راح يوصل بعد خمسة دقايق . . . اطلعله . . . )
قالها للشاب الوحيد الذى كان يرتدي ثيابا عاديه . . .
فانطلق الشاب على الفور . . .
صعد الشاب درجا خشبيا حتي وصل الى اخره ثم ضغط الجدار بحذر فالتف معه بهدوء . . . القى نظرة حذره علي المكان ثم ولج الى الداخل في سرعه . . .
لم يكن المكان الا دكان صغير للبقاله في منطقه مزدحمه من المناطق الفلسطينيه . . .
انتظر الشاب قليلا و نظر في ساعته . . . و هو ينظر الى رجلا رث الثياب يحمل فوق ظهره المنحني شوالا كبيرا و يتجهه ناحية الدكان في صعوبه و هو يلهث . . .
و بعد قليل تقدم اليه الرجل الذي توحي ملامحه ملامحه بالفقر و البؤس . . .
( يعطيك العافيه يا تبيل )
( الله يعافيك يا ابو عمار . . . )
انزل الرجل الحمل من فوق ظهره و هو يلهث في شده . . .
( و الله هالرز كسرلي ضهري يا نبيل . . . بالكي بيعجب عمك ابو شهاب )
تحسس نبيل الشوال ثم ابتسم ابتسامه خفيه و هو يقول . . .
( انشاله الكميه بتكفي يا ابو عمار . . . )
( انشاله يا نبيل . . . ما بدنا ابو شهاب يكسر راسنا . . . و انشاله تكون طعمته طيبه . . . )
قالها الرجل مازحا و هو مازال يلهث . . .
( تعال اشربلك كباية ماي ابو عمار . . . )
قالها نبيل مبتسما و هو يفسح له الطريق . . . )
( اي و الله يا نبيل الشوب كتلني . . . )
قالها الرجل و هو يتقدم خلف نبيل الى الداخل . . .
تاكد نبيل من ان احدا لا يراه ثم ضغط الجدار مره اخرى ليدور حول نفسه ثم دلفا الي الداخل بسرعه . . .
هبط نبيل الدرج و خلفه الرجل الذي اعتدل ظهره المنحني بغته و دب فيه النشاط . . .
( اهلين معلم بشير . . . )
قالها ابو شهاب مبتسما و هو يصافح بشير المتنكر . . .
( اهلين ابو شهاب . . . الحمد لله مرقت على خير . . . )
قالها بسير و هو يلقى جسده على اقرب مقعد و يزفر في تعب . . .
ابتسم ابو شهاب قائلا . . .
( يعطيك العافيه يا معلم بشير . . . )
قالها و ربت على كتف بشير في رفق،،،،
تطلع اليه بشير للحظات و قال بانفعال . . .
( بدي اطلع و ياكم يا ابو شهاب . . . )
تجمد ابو شهاب في مكانه و تبادل النظرات هو و نبيل . . .
تردد قبل ان يقول بحذر . . .
( بس يا معلم بشير الاوامر انك ترجع . . . انت خلصت دورك . . . يعني بعتقد ان الا . . . . )
( بدي اطلع و ياكم يا ابو شهاب )
قالها بشير بحزم . . .
( اي يا معلم بس نحنا اتفقنا ويا الرجال على غير شي )
قالها ابو شهاب متوترا . . .
صمت بشير قليلا و اطرق ثم تحدث بصوت عميق . . .
( بدي اقاتل يا ابو شهاب . . . بدي احط رصاص براس هالكلاب هادول . . . بعرف ان ها الشي راح يسببلي مشاكل و بيجوز اخسر مكاني اذا ما خسرت روحي . . . و انو هاد مو شغلنا . . . بس خلاص . . . بدي اطلع . . . ما في مجال )
صمت ابو شهاب و اطرق و لم يرد . . .
ابتسم معجبا بحماسة بشير . . .
( بتعرف يا بشير . . . من يوم ما بديت شغل ويا اخواننا المصريين ما كنت اقدر اصبر علي هالشغل الصامت البارد . . . يلي ما بتشوف نتايجه قدام عيونك . . . كنت بس بدي اشيل سلاح و ارش رصاص . . . .بس بعد شوي . . . و لما شوفت نتايج هالشغل يالي عم بنعمله و ياهم ووياكم فهمت انو اخطر بكتيير من حمل السلاح . . . و مع هالشي . . . )
ابتسم و ربت على مسدس صغير في حزامه . . .
( ضل السلاح احلى رفيق . . . )
صمت قليلا ثم استطرد . . .
( انا بعرف الشعور ياللي جواتك هلا . . . و بعرف قد ايش هوا قوي . . . و مابقدر اعطيك اوامر يا ولدي . . . .بس لازم ننطر السيد مصطفى . . . هوا المسؤول عن العمليه . . . هلا بيوصل )
قالها و نظر في ساعته . . .
نهض بشير و اقترب من الخريطه و تفحصها جيدا . . .
اخذ ينقل بصره بين عدة نقاط حمراء عليها . . .
لم يكن قد قاتل وجها لوجهه من قبل . . .
فهو رجل مخابرات . . .
اغلب عمله في الولايات المتحده . . . التى ولد فيها . . .
و منذ انضمامه للمخابرات قبل النكسه بسنوات قليله . . .
كان يتمنى ان تتاح له الفرصه لقتال الاسرائيليين و جها لوجه . . .
و عندما حدثت النكسه و احتل الاسرائيليين الجولان . . .
ثار بده و هاج و ماج . . .
و قدم طلب رسمي للضابط المسؤول عنه بان يعود الى سوريا و يتطوع في الجيش و يقاتل مع الجنود . . .
و لكن الضابط الخبير احتواه و هديء من روعه و شرح له اهمية و جوده في الولايات المتحده كطبيب . . .
و مدى استفادتهم من ذلك . . .
و عندما كلف بعملية التغطيه الذي تعاون فيها مع اشرف الجلاد . . .
كان في قمة السعاده لانه سوف يشارك في غمليه شبه عسكريه . . .
لكنه عاد و اصابه الاحباط من جديد عندما علم ان دوره يقتصر علي التغطيه و المساعده الطبيه و نقل السلاح . . .
يريد ان يقاتل . . .
يريد ان يحمل السلاح و يفتح النيران على اعدائه . . . .
حرارة تلفح قلبه بشدهو تجعل دمائه تفور عندما يرى الجنود الاسرائيليين . . .
سوف يخالف الاوامر . . .
اتخذ قراره . . .
حتي لو خسر حياته . . .
حتي لو خسر ثقة القاده . . .
سيقاتل . . .
انتزعه من شروده يد تربت على كتفه . . .
التفت . . .
( مصطفى . . . امت وصلت؟ )
قالها مندهشا . . .
( لسه واصل . . . بس انت كنت في عالم تاني )
قالها مصطفى مبتسما . . .
( ايه و الله . . . )
قالها بشير في خفوت . . .
( سيد مصطفى . . . السيد بشير بده يطلع معنا )
قالها ابو شهاب مترددا . . .
نظر مصطفي الى بشير و تلاقت عيونهم . . .
و خيم الصمت علي المكان . . . .
تكلم مصطفى بصوت خافت . . .
( انت بتعرض حياتك للخطر و بتـ . . . . )
( مصطفى . . . )
قالها بشير بشيء من الغضب ليتوقف مصطفى عن الكلام و يطرق . . .
خيم الصمت من جديد . . .
( بدنا نخبر السيد اشرف )
قالها ابو شهاب مترددا و هو ينقل بصره بين بشير و مصطفى . . .
هز مصطفى راسه نافيا . . . .
خط الاتصال انقطع يا ابو شهاب . . . احنا في نقطة الاعوده . . . يعني اما هانشوف السيد اشرف في مصر . . . )
( قالها و صمت متأثرا . . . ثم اردف في خفوت و رهبه . . .
( او نشوفه في الاخره )
صمتو مره اخرى . . .
و مصطفى و بشير يتبادلون النظرات . . .
( سيد مصطفى . . . انت هلا المسؤول عن العمليه )
قالها ابو شهاب بلهجه تحذيريه . . .
فهز مصطفى راسه مؤيدا و هو يفكر . . .
( كام عددنا يا ابو شهاب . . . )
قالها مصطفى . . .
( تسع . . . )
قالها ابو شهاب متعجبا . . .
صمت مصطفى قليلا و هو يفكر . . . ثم قال . . .
( خلاص نبقى عشره بعون الله )
ما ان قالها مصطفى حتي انفجروا جميعا مهللين في فرحه و دمعت عينا ابو شهاب و هو يردد في متاثرا . . .
( الله اكبر . . . الله اكبر )
تطلع بشير الى مصطفى بامتنان . . .
مد يده مصافحا . . .
التقط مصطفى يده بقوه و هو ينظر اليه . . .
( اتنين مجانين و اتلموا علي بعض . . . هانعمل ايه )
قالها مازحا و لكن بتأثر . . .
( ايه . . . خلينا نشوف شو بيساوو هالمجانين )
رد عليه بشير بحزم . . .
تقدم مصطفى الى الخريطه . . .
التفوا حوله . . .
و بدأ يشرح . . .
و هم ينصتون بكل جوارحهم . . .
------------------------------------------------------------------------------------------------
نفس اليوم ليلا . . .
في احد الاحياء الهادئه في تل ابيب . . .
و في فيلا انيقه متوسطه الحجم . . .
تحرك رجال الموساد بنشاط و هو يتابعون كاميرات المراقبه في اهتمام و ينقلون المعلومات اول باول الى قيادتهم . . .
كان ذلك بيت آدان رئيس فرقة الاغتيالات . . .
احد الشخصيات التي توقع الموساد قيام المصريين بمحاولة تصفيتها . . .
لذلك قاموا بنقله في سريه تامه الي مكان اخر آمن و احتل بيته فرقه من الموساد من عشرة رجال اشداء مسلحين . . .
حرصوا علي ان لا يشك احدا في امر تواجدهم بدلا من آدان . . . .
زودوا البيت بكاميرات مراقبه حديثه . . .
تأهبوا لاي هجوم محتمل . . .
و ان كانوا لا يعرفون باي طريقه سوف يحدث . . .
( هل يعقل هذا . . . هل يعقل ان يهاجمنا المصريين في عقر دارنا . . . )
قالها رجل في الاربعينات حانقا و هو يتحدث الي شاب طويل القامه . . .
( سيدي انها تحليلات الخبراء . . . )
قالها الشاب في احترام . . .
( لا يا شاميير انها تحليلات ذلك المأفون مدير الجهاز . . . . )
قالها الرجل في سخط . . .
توتر الشاب و تلفت حوله في قلق . . .
( سيدي . . . الرجال كثيرون هنا . . . و لا نريد ان يتـ . . . )
( اعلم . . . اعلم . . . انني فقط انقث عن غضبي )
قالها الرجل و هو يخفض صوته لكن بسخط . . .
ثم نهض و اشعل سيجاره و هو يتطلع من خلف الستائر الى الشارع المظلم . . .
( مجنون هو من يحاول مهاجمتنا في تل آبيب . . . لن يجد مكانا واحدا يهرب اليه . . . هذا اذا نجى منا . . . )
قالها ساخرا . . .
( انه الغرور العربي يا سيدي . . . لم يعترفوا بالهزيمه بعد . . . يظنون ان تلك الارض مازالت ارضهم . . . )
اجابه مساعده متهكما . . .
ابتسم الرجل و هو يقول . . .
( ستة ايام فقط . . . قضينا فيها على اكبر جيشين عربيين في المنطقه . . . و الان يبعثون لنا ببعض الحمقى ليستردوا جزأً من كرامتهم المهدوره . . . )
ابتسم مساعده و هو يقول في سخريه . . .
( سيدي . . . لم افهم العقل العربي ابدا . . . لقد ولدت و عشت في المانيا كما تعلم . . . و لم افهم تلك العقليه العربيه الاستعراضيه ابدا . . . فهم في كل يوم و ليله ينشدون الاغاني و الاشعار عن القتال و رغم ذلك . . . .لم يتكبدوا عناء القتال الفعلي . . . )
( رغم انني ولدت و قضيت معظم حياتي في بولندا يا شاميير . . . الا انني اعي تماما كيف يفكر العرب . . . الزعماء العرب يا شاميير يلهوون شعوبهم بالاغاني الحماسيه و الدعايه لكي يفرغوا طاقة الغضب لديهم و لا يهتموا بالحرب الحقيقه بعد ذلك . . . )
قالها ثم ابتسم في كبرياء . . .
( نحن ارقى يا شاميير . . . نحن ارقى . . . و عظامهم ارق بمثير من ان تتحمل ضرباتنا )
تنهد بعدها و القى جسده على المقعد و تناول مجله و بدأ يطالع صفحاتها . . . .
تناهي الي مسامعهم صوت ارتطام مكتوم و كأن احدهم القى حجرا بجوار النافذه . . .
فتحركت ايديهم في حركه اليه الى اسلحتهم . . .
( ما هذا . . . ؟ )
قالها الرجل في توتر و هو يقفز من مكانه . . .
ثم اعقبه صوت ارتطام مكتوم اخر . . . .
فاندقع شاميير خارج الغرفه بسرعه ليستطلع الامر . . .
و فاجاه تصاعد دخان كثيف خانق حول المنزل . . . فصرخ الرجل بقوه . . .
( قنابل دخان . . . )
قالها و انبطح ارض بسرعه . . .
تحرك الرجال العشره المدربين و اتخذوا مواقعهم داخل المنزل و تم ابلاغ قيادة الموساد بالهجوم علي الفور . . .
و توالت قنابل الدخان الواحده بعد الاخري حتى اختفت الفيلا كلها خلف ستار كثيف من الدخان . . .
عندها تحرك الرجال العشره المتشحين بالسواد . . .
سحبوا اجزاء مدافعهم . . . .
و انطلقو كالبرق مقتربين من الفيلا . . .
و فاجاه انهمرت عليهم رصاصات رجال الموساد كالمطر . . . .
فنبطحوا ارضا جميعا و هم يبادلوهم الرصاص . . .
و في داخل الفيلا . . .
سعل الرجال في شده و هم يبللون ثيابهم و اي قطعه من القماش يجدونها ليضعوها علي انوفهم التي تكاد ان تحترق بسبب الدخان الكثيف الذي تسلل الي الفيلا . . .
كان الهجوم مباغتا و الدخان لم يكن في الحسبان . . .
لذلك كان من المحتم ان يخرجوا الي الخارج . . . .
دقائق قليله و قد يسقطون جميعا بفعل الدخان . . .
لذلك فقد شكلوا تشكيلا قتاليا محترفا و دفعت مجموعه منهم باب الفيلا في قوه و هم يندفعون الى الخارج مطلقين النيران في كثافه . . .
و خرجت المجموعه الاخرى من النافذه القريبه الى الارض بنفس الطريقه . . .
و انطلقت الرصاصات من الطرفين . . .
و استبسل الجميع . . . .
الاسرائليين دفاعا عن حياتهم . . .
و الفلسطينين و معهم مصطفى و بشير انتقاما . . . .
و اختلط الحابل بالنابل في معركة شرسه بين المحتل و المقاوم . . .
و كأن الصراع الازلي بين الطرفين قد اختصر و اقتصر علي الفرقتين المتصارعتين في تلك المساحه الصغيره من الارض . . .
الارض التى تعني كثيرا للطرفين . . .
ارض الميعاد . . .
سقط اربعه من رجال ابو شهاب و ثلاثة من الاسرائيليين . . .
كان القتال وجها لوجهه و في العراء . . .
و اشتبك الطرفان بالايدي عندما ضاقت المسافات بينهم . . .
و سقط اسرائيليين اخرين . . .
ثم ثالث . . .
و ضرب بشير احدهم بكعب مدفعه ضربة ارتج لها راسه فسقط ارضا . . .
و ركل اخر ركله عنيفه في ركبته فكسرها . . .
و عمل خنجر مصطفي في الاجساد بعنف و شراسه لا تقل عن شراسة صرخاته او صرخات ابو اشهاب الجباره و هو يلقي مدفعه ارضا و يطلق النار من مسدسه ليقتل قائد المجموعه و مساعده علي التوالي غير مبال باصابة كتفه . . .
و لكن . . .
و قبل ان يسقط اخر رجلين من الموساد . . .
سطع في المكان اضواد باهره و على هدير محركات قادمه بسرعه جنونيه . . .
فصرخ مصطفي . . .
( انسحاااااااااااااب انسحاااااااااااب )
و علي الفور تراجع الرجال السته المتبقيين من مجموعتهم و هم يطلقون النار بغزاره على السيارات الجيب الاسرائليه المندفعه اليهم . . .
اصاب مصطفى قائد احدى السيارات اصابه دقيقه فانحرفت سيارته بعنف و انقلبت على جانبها لتصتدم بها اخرى و تدحرج بجنودها الي جانب الطريق . . .
و اندفعت المجموعه تسابق الرياح و الاسرائيليين خلفهم يطلقون رصاصتهم في غضب . . .
كانوا يركضون باقصى سرعه ممكنه متجهين الي احدى البيوت القريبه . . .
وهم يطلقون النار من حين لاخر علي مطارديهم . . .
و عند البيت تاهب شابين متشحين بالسواد في سياره جيب . . . .
و عندما وصلوا اليهم . . . قفز الرجال كلهم الي السياره الجيب ما عدا مصطفى و بشير الذين دلفا الى داخل البيت بسرعه و اغلقا الباب خلفهما . . .
و انطلقت السياره تسابق الرياح في مسارات متعرجه . . .
و خلفها الاسرائيليين الذين لم يلحظوا استبدال مصطُفى و بشير بالشابيين الفلسطينيين . . . .
و اندفعا مصطفى و بشير في سرعه الي كوة في ارضيه البيت فتحاها و قفزا بداخلها ثم اعادا احكام اغلاقها مره اخري . . .
لم يكن ذلك البيت الا راسا لنفق . . . حفره الفلسطينيين لكي يستخدمونه في عملياتهم الفدائيه . . .
انطلقا في سرعه داخل النفق . . .
حتي وصلا الى نهايته بعد عشرة دقائق كامله من الركض . . .
توقفا يلهثان في ارهاق . . .
تلاقت عيونهم . . .
و القلق يطل منها . . .
( تفتكر ابو شهاب و الرجاله هايقدروا يهربو؟ )
قالها مصطفى لاهثا . . .
( ما بعرف . . . يا رب . . . يقدروا . . . يا رب . . . )
اجابه بشير لاهثا ايضا . . .
نظر مصطفى في ساعته . . .
( المفروض يكون اشرف ابتدا التنفيذ دلوقتي . . . )
قالها في قلق شديد . . .
( الله معه . . . )
قالها بشير و هو يجلس ليلتقط انفاسه . . .
جلس مصطفى بجواره . . .
( انت بتعرف ان هاي اول مره احمل سلاح و اقتل هادول الكلاب بايدي . . . )
قالها بشير مبتسما و صدره يعلو و يهبط في انفعال . . .
ربت مصطفى على كتفه مبتسما . . .
( شعور و لا اروع . . . )
قالها بشير فابتسم مصطفى مره اخري . . .
نهض . . .
انعقد حاجبيه في قلق و هو ينظر في ساعته مره اخرى...
كان يجب ان خطة الهروب خارج تل ابيب في الحال . . .
و بشير معه . . .
ولكن شيئا بداخله لم يكن قادرا علي ذلك . . .
احساسه ان اشرف مازال هنا في قلب الخطر . . .
كان من الصعب عليه ان يذهب و يترك اخوه الاكبر و معلمه و حده في ذلك الجحيم . . .
خاصة بعد ان هاجموا بيت آدان و انقلبت اسرائيل كلها . . .
و توتر الموقف بشده و اصبح اكثر خطوره . . .
( بدنا نمشي يا مصطفى . . . )
قالها بشير بحذر و هو ينظر الى ملامح وجهه مصطفى المتوتره . . .
نظر اليه مصطفى . . .
و لم يرد . . .
-----------------------------------------------------------------------------------------------
بعد بداية المعركة بنصف ساعه . . .
و في منطقة جفعاتيم الهادئه . . .
تحرك اشرف بهيئة الحاخام في الشارع بوقار و هو يتفحص المنطقه من حوله جيدا . . .
كان السكون يخيم على المكان و هو يقترب من ذلك البيت الصغير الهادىء . . .
كان يعلم جيدا ان المعركة قد بدات و ربما تكون قد انتهت ايضا و ان كل رجال الموساد و الجيش قد استنفروا بالفعل و اتجهوا الى بيت آدان متصورين ان الهجوم هناك هو المقصود . . .
و عصف به القلق و هو يحاول ان يبقى هادئا . . .
هل اصيب مصطفى . . .
هل نفذ الخطه كما يجب و استطاع الفرار . . .
هل تمكن ابو شهاب و رجاله من تضليل الاسرائيليين . . .
هل سقط احدهم . . .
تصارعت في راسه الافكار و هو يجاهد حتي يسيطر عليها . . .
تاكد اشرف من وجود مسدسه المزود بكاتم للصوت . . .
و اخذ نفسا عميقا ثم بدا يقترب من البيت في خطوات مترنحه . . .
يسعل بشده و يمسك صدره بارهاق و هو يلوح بذراعه في الهواء . . .
و من داخل المنزل الذي يختفى فيه آدان . . .
القى رجل ضخم الجثه نظره من خلف الستائر على اشرف الذي يقترب من البيت . . .
عقد حاجبيه في قلق . . .
( موشييه . . . .هناك شخص يقترب من البيت . . . )
نهض موشييه و القى نظرة علي اشرف الذى كان قد وصل بالفعل الى باب البيت و هو يسعل بشده و يكاد يسقط . . .
( انه حاخام . . . )
قالها موشييه في قلق ثم سحب مسدسه من جرابه و اخفاه خلف ظهره . . .
فتح الباب بحذر . . .
( كيف استطيع ان اخدمك سيدي الحاخام . . . )
سعل اشرف بشده و هو يترنح و يلوح بذراعه محاولا ان يستند على اي شيء . . .
( انه ال . . . رب . . . و . . . يا ولدي . . . ساعدني . . . )
قالها اشرف و سقط على ركبتيه ممسكا بصدره . . .
لم يمد الرجل يده لمساعدته و هو ينظر اليه في شك . . .
( انهض حضرة الحاخام . . . هذا بيت ليس مستشفى . . . )
رفع اشرف عينينه اليه و بصوت مختنق قال . . .
( اعلم..اعلم . . . )
قالها و هو يحاول النهوض بصعوبه و الرجل ينظر اليه متحفزا . . .
و قبل ان يعتدل اشرف استل مسدسه المزود بكاتم الصوت . . . و اطلق طلقه صامته علي قلب الرجل مباشره فجحظت عيناه بشده . . .
اعتدل اشر ف بسرعه و دفع الرجل ثم انطلق نحو الباب و ضربه بقدمه و هو يطلق طلقه اخرى علي الرجل الاخر الذي هم بان يستل سلاحه فسقط علي الفور . . .
توقف اشرف قليلا و هو ينظر حوله ليتاكد بان احدا لم يلاحظ الامر . . .
سحب الرجل الصريع داخل البيت و اغلق الباب في سرعه . . .
اشهر مسدسه و تقدم داخل البيت بحذر . . .
صعد الدرج الواصل بين الطابقين في خفه و حذر شديد . . .
برز امامه فاجاه يحمل رشاشا . . .
القى اشرف بجسده ارضا و هو يطلق طلقه تستقر بين عيني الرجل قبل ان تمس يده الزناد . . .
ازاحاه ثم واصل الصعود . . .
لكن صوت سقوط الرجل جعل رجلين اخرين في الطابق العلوي ينتبهان الي وجوده . . .
اشهرها مدفعيهما و امطرا الدرج بالرصاص علي الفور . . .
كان من الواضح انهما شديدي الاحتراف . . .
اختبىء احدهم خلف احد الجدران و هو يصوب مدفعه الى الدرج الخالي . . . و اندفع الاخر الى غرفة نوم آدان . . .
دفع بابها بعنف . . . فجفل آدان و سقط من يده كاسا . . .
( سيدي . . . هجوم )
اتسعت عينا آدان في ارتياع و هو يهتف . . .
( اللعنه . . . )
اغلق الحارس باب الغرفه باحكام و اختبىء آدان خلف اريكه كبيره و استل سلاحه . . . .
اما الحارس فقد رفع جهازه اللاسلكي و هو يبلغ القياده في كلمات سريعه حاسمه . . .
و في الخارج . . .
توترت يد الحارس الاخر علي مدفعه و هو ينتظر ظهور اشرف . . .
و طال انتظاره . . .
لم يظهر اشرف . . .
و بعد فتره . . .
خرج الحارس من مكانه في حذر شديد و يده متاهبه علي الزناد . . .
اقترب من الدرج الخالى . . . .
اندهش من اختفاء جثة زميله . . .
هبط الدرجات في حذر . . .
و بطيء . . .
و انفاسه تتلاحق . . .
مدفعه متاهب . . .
و فاجاه برز له اشرف امامه في اسفل الدرج . . .
حاملا جثة زميله محتميا بها . . .
و بلا تردد اطلق الحارس دفقه من الرصاص علي اشرف فاخترقت كلها جسد الرجل الصريع و اصابت احداها ذراع اشرف الذي اطلق طلقه محكمه استقرت في راس الرجل و اطاحت به فسقط من فوق الدرج . . .
ازاحه اشرف و انطلق الي اعلي . . .
تقدم في الممر الموصل الي غرفة آدان . . .
توقف بعيدا عن الباب . . .
طرق الباب باحدى يديه و هو يبعد جسده عن الباب . . .
( آدان . . . عزيزي . . . هل انت في الداخل . . . )
قالها بالعبريه و بسخريه شديده . . . .
جاوبه الحارس في الداخل بدفقه من الطلقات اخترقت الباب الخشبي و صنعت فيه تجويفا . . .
( شاطر . . . )
قالها اشرف بسخريه و هو يضع مسدسه في سرعه داخل الفوهه و يطلق طلقتين سريعتين لم تصب الحارس و لكن جعلته يتراجع بسرعه ليحتمي من الرصاص . . .
ساد الصمت لفتره . . .
و تبادل آدان و حارسه النظرات المتوتره . . .
و همس آدان . . .
( اين ذهب ذلك الملعون . . . )
لا اعلم يا سيدي )
( هل بلغت القياده )
( نعم يا سيدي انهم في الطريق )
ساد الصمت مره اخري . . .
و فاجاه . . .
انهمرت الرصاصات علي الباب في غزاره لتطيح به من مكانه و تدفعهما للانحناء . . .
و برز اشرف علي عتبتة يحمل مدفع احد الحراس الصرعي . . .
رفع الحارس مدفعه و اطلق الرصاص دون ان ينظر و لكن اشرف كان قد ابتعد بالفعل . . .
انطلق اليه اشرف في سرعه و ركل مدفعه من يده و ادار مدفعه اليه ليطلق الرصاص و لكن الرجل المحترف امسك بفوهه مدفع اشرف و اداره بعيدا ثم هوى بلكمه قاسيه علي فك اشرف الذي تلقي اللكمه في ثبات ثم ردها له بقوه اكبر جعلت راسه يدور فاعقبها بركله ساحقه فجرت الدماء من انفه المكسور فصرخ الرجل في شراسه و انقض علي اشرف مطوقا خصره بذراعيه القويتين و مندفعا به الي الجدار . . .
و قبل ان يصلا الي الجدار . . .
انزلق اشرف بسرعه الى اسفل و ترك جسد الرجل يعبر من فوقه ليرتطدم بالجدار في عنف..
و في لحظه واحده . . .
كانت ذراع اشرف القويه تحيط بعنق الرجل من الخلف و ذراعه الاخري تحكم الاغلاق عليها . . .
و حاول الرجل التملص و سقطا ارضا و هو يحاول تخفيف الضغط من على رقبته لكن اشرف اعتصرها في اصرار و قوه . . . و فاجاه برز آدان مصوبا مسدسه الي اشرف و هو يهتف بانفعال . . .
( مت ايا الملعون ) . . .
قالها و اطلق بالفعل رصاصته علي اشرف الذي ادار جسد الرجل بسرعه ليتلقي الطلقه بدلا منه . . . ثم تدحرج بسرعه الي مدفعه و التقطه و اطلق منه رصاصه سريعه على ساق آدان الذى صرخ و هوي علي الارض . . .
نهض اشرف و هو يلهث في انفعال . . .
قبض على شعر آدان بقبضته القويه فصرخ الرجل . . .
هوي على وجهه بصفعة جبارة فصرخ مرة اخري . . .
سحبه من شعره الي منتصف الغرفه . . . ثم افلته . . .
كان آدان يأن بألم و هو ينظر مرعوبا الى اشرف الذي توقف ليلتقط انفاسه . . .
( ست . . . ص..ل . . . قوات . . . نا في اي . . . لحظة )
قالها آدان باكيا و هو يضغط بيده على جرحه . . .
أدار اشرف عينيه في الغرفه و هو يغمغم . . .
( لا تشغل بالك بذلك . . . )
قالها و نزع عنه تنكره في سرعه فالقي الماسك جانبا و تخلص من الشعر المستعار . . . ..
وضع مسدسه الكاتم للصوت في حزامه . . .
تقدم الى الجدار . . .
انتزع سلك الهاتف من مكانه و اخذ يسحبه في قوه مرات و مرات ثم قطع نهايته . . .
تقدم الى آدان احاط عنقه بالسلك في قسوه و هو يعقد السلك عقده قويه . . .
و يثبت احكامها علي رقبته . . .
بكى آدان في رعب و امسك بقدم اشرف . . .
( ارجوك . . . ارجوك لا تقتلني..ارجوك . . . استطيع مساعدتك علي الهرب و اسـ . . . )
( اخرس )
قالها اشرف في صرامه مقاطعا . . .
انهضه اشرف رغما عنه . . .
علق طرف السلك في الثريا الكبيره . . .
سحب السلك في عنف فاختنق آدان وهو يمد يده ملوحا في الهواء . . .
رفعه اشرف و اوقفه فوق كرسي صغير فخف الضغط على رقبة آدان و هو يلهث . . .
( ارجوك ارجوك يا سيد اشرف . . . ارحمني ارجوك . . . )
ان يحافظ بصعوبه علي وقفته فوق الكرسي الصغير و هو يتالم بشده من اصابة ساقه . . .
نظر اليه اشرف في بروود . . .
القتل شيء صعب للغاية . . .
خاصة بتلك الطريقه البطيئه المؤلمه . . .
ان تنهي حياة انسان بيديك العاريتين . . .
امر قاس للغايه . . .
لا يتحمله قلب الا قلب مظلم . . .
او . . .
قلب رجل مات مائة مره من قبل . . .
كان اشرف ذلك الرجل . . .
مات عندما احتل الاسرائليين سيناء . . .
مات عندما استشهد اخوه الاصغر . . .
مات عندما قصفت طائرتهم الفانتوم مدرسه بحر البقر . . .
عندما شاهد الاطفال الابرياء مضرجين في دمائهم و رائحة الحريق تطغى علي رائحتم الذكيه الرقيقه . . .
عندما غطت رائحة الشواء علي رائحة عرق عمال مصنع الحديد و الصلب . . .
عندما اخمدت القنابل انفاسهم الطيبه . . .
عندما اخترقت صواريخ الفانتوم مدينة السويس و الاسماعيليه لتسحق كل الناس البسطاء الذين انهارت بيوتهم فوقهم في ساعة العصاري بدون ذنب جنوه ولا سلاح حملوه . . .
عندما سلبت الكرامه و حلت الذله مكانها . . . و خفض الجميع رؤوسهم مرغمين امام النجمه الزرقاء . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عندما سقط عادل . . .
( هل تطلب الرحمه )
قالها اشرف ببرود . . .
( نعم نعم ارجوك ارحمني )
( لماذا؟ )
قالها اشرف ببرود اكبر . . .
( لاني . . . لان . . . )
تلعثم آدان في الكلام مرعوبا و لم يجد ما يقول فظلت نظراته الملتاعه متعلقه بعيني اشرف الباردتين . . .
( اعلم انه لا توجد اسباب . . . عندما يسألونك في الجحيم من الذي ارسلك . . . . . . . . . .قل لهم مصري اسمه الجلاد )
قالها اشرف ببرود شديد ثم ركل الكرسي الذي يقف عليه آدان بعنف . . .
سقط آدان متعلقا من رقبته و نفسه يتحشرج بشده و عيناه تجحظان من الالم . . .
تنظران نظرة ملتاعه الي عيني اشرف الباردتين . . . .
ظل اشرف متسمرا في مكانه يتابع في برود آدان و هو يلفظ انفاسه لدقائق حتى هدئت حركته و استكانت و تدلت رقبته علي صدره . . . .
ظل اشرف محدقا فيه ببرود شديد . . .
كم تمني لو انه قتله الف مره . . .
لو انه عذبه و اذاقه الهوان عقابا له و لشعبه كله . . .
على ما اقترفت ايديهم الآثمه . . .
علي كل سنوات الذل و الحسره التى شعر بها . . .
علي كل الاحباب الذين فارقهم بسببه و بسبب دولته الحقيره . . .
انتزعه من افكاره اصوت محركات قادمه كثيره . . .
ازاح الستائر و القى نظره علي السيارات الجيب العسكريه الاربعه المحمله بالجنود القادمه من بعيد . . .
اعاد الستائر مره اخري و اطرق مفكرا . . .
ابتسم ابتسامه باهته . . .
تراجع و التقط مدفعا من على الارض . . .
( جايلك يا عادل . . . )
قالها في حزم و زفر في قوه ثم هبط بسرعه الي الدور السفلي و جمع كل الاسلحه التي استطاع ان يحملها . . .
و بسرعه فائقه . . .
قام بتوزيع الاسلحه علي النوافذ الموجوده بالطابق العلوي . . .
و هو يسابق الزمن . . .
اختبىء خلف احدى النوافذ مصوبا مدفعهالي الخارج . . .
تلى الشهادتين . . .
لم يسمح لافكاره ان تنساب . . .
شحذ كل عزبمته و تركيزه في عدوه . . .
و ما ن اقتربت اولى السيارت من البيت . . .
اطلق اشرف دفقه كبيره من مدفعه لتصيب السائق و بعض الجنود و تنتزعهم من اماكنهم . . .
انقلبت السياره في عنف بعد ان فقد السائق السيطره عليها . . .
قفز الجنود الاخرين من السيارت الباقيه و اتخذوا منها ساترا و هم يطلقون النار في شراسه . . .
انبطح اشرف ارضا في سرعه و زحف الى نافذه اخرى و عاد يطلق النار علي الجنود و ينتزع منهم اثنين . . .
و لكن الجنود المدربن واصلوا اطلاق النار في كثافه و هم يتقدمون بسرعه الى البيت . . .
واصل اشرف اطلاق النار عليهم فسقط جندي اخر و لكنهم كانوا قد وصلوا الي البيت بالفعل . . .
حمل اشرف مدفعه و انطلق الي خارج الغرفه . . .
انبطح قرب مقدمة الدرج العلوي . . .
دفع الجنود الباب و اطلقو النيران في كل اتجاه . . .
حاولو التقدم داخل ابيت و لكن رصاصات اشرف من الطبق العلوي منعتهم . . .
تراجع الجنود . . .
توقفت النيران قليلا فتحفز اشرف . . .
و لكن الجنود القو قنبلتي دخان دخل البيت و تراجعوا و هم يثبتون اقنعة الغاز في سرعه . . .
تراجع اشرف هو الاخر في سرعه و انطلق الى دورة المياه الملحقة بالغرفه العلويه . . .
بلل منشفة بالماء حتي اغرقها ثم لفها حول و جهه . . .
تقدم الجنود بحذر وسط الدخان شاهرين اسلحتهم . . .
فتشوا الطابق السفلي في دقه ثم تقدموا بحذر الي الدرج الغارق في الدخان . . .
تعثرت ارجلهم في اقدام حراس آدان الصرعى فامطروهم بالرصاص في توتر قبل ان يكتشفوا موتهم . . .
تقدموا في بطيء و حذر كان الدخان كثيفا للغايه و لكن اقتعة الغاز حمتهم منه و ان جعلت الرؤيا محدوده . . .
دلف الجنود الي الحجرة و القوا نظره سريعه علي جثة آدان المشنوق المدتليه من السقف . . .
و علي جثة حارسه الراقد ارضا على وجهه . . .
فحصوا دورة المياه . . .
فوجدوا جثة اخرى لحارس اخر غارقه في الدماء . . .
غادرو الغرفه . . .
اتجهوا الي غرفة اخرى . . .
فتشوها بعنايه . . .
بدا القلق على الجنود السته . . . و هم يتبدلون الاشارات بينهم
و فاجاه اشار احدهم الى كوه مفتوحه في السقف في نهاية الممر . . .
تقدموا منها بحذر، . . .
فحصوها بعنايه . . .
اشار قائدهم الى الاخرين باشارات ذات مغذى . . .
فتقدم اربعة منهم الي الكوه و دلفوا داخلها بحذر و هم يشهرون اسلحتهم . . .
ثم عبروها الي سطح البيت في بطيء و هم يتلفتون حولهم باحثين . . .
و في غرفة شارون . . .
تحركت احد الجثث التي لم تكن سوي اشرف . . .
و الذي كان قد بدل ملابسه بسرعه بملابس لآدان انتزعها من خزانة ثيابه قبل ان يلطخ وجهه و قميصه بدماء حارس آدان الصريع و يستلقي علي الارض . . .
تحرك اشرف بحذر و استل مسدسه الكاتم للصوت . . .
تحمل الدخان و كافح حتي لا يسعل . . .
زحف خارج الغرفه بسرعه و حذر . . .
تبين شبحي الجنديين في نهاية الممر . . .
مسح الدموع الحاره عن عينيه المحمرتين . . .
سدد مسدسه اليهما و هو يلهث بشده و اطلق . . .
استقرت الرصاصتين في ظهريهما فسقطا بلا صوت . . .
زحف اشرف باقصى سرعه اليهما و هو يجاهد حتى لا يفقد الوعي . . .
انتزع احد الاقنعه و ثبتها علي وجهه و استنشق الهواء النقي بعمق بعد ان كاد صدره ان يحترق من الدخان . . .
ثم انتزع ثياب الجندي في سرعه شديده و ارتداها و هو ينظر بقلق الى الكوه التي صعد منها الجنود . . .
احكم تثبيت الثياب عليه . . . .سحب الجنديين الصريعين بأقصى سرعه الى غرفة مجاوره ثم حمل مدفعه . . .
دقه بيده بقوه علي فتحة الكوه المعدنيه . . .
برز له جندي فاشار اليه ان يهبطوا فورا . . .
هبط الجنود الاربعه الي الاسفل و الدخان مازال يحجب الرؤيه بشكل كبير . . .
تقدموا خلف اشرف الذي اشار لهم بثقه . . .
تبعوه متحفزين . . . و قبل ان يصلو الي نهاية الممر توقف اشرف فاجاه كانما استشعر شيئا ثم استدار الى الخف ففعلوا مثله في حركه تلقائيه . . .
و فتح اشرف النيران فاجاه و كانه لمح احدا يتحرك في نهاية الممر . . .
و بدون تفكير فتح الجنود نيرانهم بسرعه . . .
و تراجع اشرف و هو يطلق النيران حتي صارو كلهم امامه . . .
يحتمون و يطلقون النيران في توتر . . .
و فاجاه ادار فوهة مدفعه اليهم و اطلق نيرانه عليهم . . .
تساقط الجنود من المفاجاه . . . .
واحدا تلو الاخر . . .
و توقف اشرف لاهثا في انفعال . . .
فكر قليلا ثم حسم قراره . . .
هبط الدرج بسرعة الصاروخ . . .
ما ان وصل الى باب البيت حتى ادار ظهره للباب و فتح نيران مدفعه و هو يتراجع في رعب . . .
سقط ثم قام ثم سقط و كانه يطلق النار على احدهم و هو يتراجع . . .
و علي الفور شاركه الجنود في الخارج في اطلاق النار . . .
اخذ يزحف في رعب الي الخارج و هو يهتف . . .
( ساعدوووووووني . . . )
انطلق اليه اثنين من الجنود ليسحبونه علي الفور و هو يلهث في شده . . .
تكلم من خلف قناع الغاز الذي يخفي وجهه بينما خوذته الحديديه تخفي راسه . . .
( انهم ثلاثه . . . لقد باغتونا . . . قتلو الجميع . . . يا الهي لقد نجيت باعجوبه . . . )
حدق فيه الضابط المسئول . . .
( ثلاثه اللعنه . . . لقد قالو انه رجل واحد . . . )
قالها هاتفا في حنق و ادار جهازه اللاسلكي . . . .
( بن عامي . . . بن عامي . . . انهم ثلاثة اشخاص و ليس واحدا . . . لقد فقدنا الكثير من الرجال بالفعل . . . ارسل المزيد . . . )
اغلق جهازه و اشار لجنوده ان يحملو اشرف الى السياره . . .
حمل الجنود اشرف الي السياره و هو يتأوه في الم . . .
ارقدوه . . .
مد احدهم يده ليزيح القناع من فوق وجهه . . .
امسك اشرف بيده و هو يقول لاهثا . . .
( لا ارجوك . . . دعني استنشق بعض الهواء النقي . . . لقد كاد الدخان ان يقتلنا . . . )
تراجع الجندي بسرعه و تركه لينضم الى بقية الجنود المحاصريين للمنزل . . .
اخذ اشرف يدرس الموقف و هو راقدا علي ظهره في السياره . . .
يلقي نظرات خفيه علي الجنود المحاصريين و جرح ذراعه ينزف في شده . . .
انهم اكثر من عشرين جندي . . .
لا امل في ان يقاتلهم و ينجوا . . .
كما انهم سوف يكتشفون امره في دقائق بعد ان يدركوا ان المنزل فارغ . . .
كان وحده في السياره الجيب . . .
و الجنود يتقدمون الى باب المنزل في حذر . . .
احدهم يهتف بالضابط بانه يشعر ان المنزل خالي . . .
الضابط يطرق مفكرا ثم يدير وجهه في غضب اليه . . .
يصرخ في عنف . . .
( انه هوووووووووو )
قبل ان يكمل كلمته كان اشرف قد قفز بسرعه محتميا خلف السياره و هو يطلق النار علي الجنود و يندفع نحو باب السائق . . . استقر في السياره و ادر محركها و الرصاص ينهمر عليه و يخترق السياره . . .
ضغط دواسة الوقود بكل قوته فانطلقت السياره بعنف لتطيح باحد الجنود و تعبر من فوقه . . .
و لكن بقية الجنود امطرو السياره بالرصاص الذي اصاب اطاراتها فانفجرت الاطارات لتنقلب السياره بعنف . . .
تدحرج اشرف خارج السياره و اصتدم بالارض في عنف وهو مازال ممسكا بسلاحه . . .
قفزا واقفا مواجها الجنود كلهم و هو يطلق نيرانه في شراسه . . .
ازكمت رائحة الموت انفه . . .
فاستنشقها بقوه و هو يشعر بملك الموت يقترب نه . . .
لم يكن خائفا . . .
بل شعر بطمأنينه غريبه . . .
لم يتالم عندما اخترقت رصاصه فخذه و اخرى كتفه . . .
لم يشعر حتي انه قد تهاوى علي ركبتيه . . .
و لم يسمع صوت الضابط و هو يصرخ في جنوده ان يحضروه حيا . . .
فقط شعر بضربه قويه من كعب بندقيه اصابت وجهه و ان لم يفقد الوعي . . .
شعر بانهم يسحبونه سحبا الى سيارتهم ووعيه يتذبذب . . .
و لكنه ايضا شعر بان الجندي الذي على يمينه يطير من مكانه ثم يسقط الجندي الممسك بذراعه اليسرى . . .
انتبه قليلا فتخيل ان هناك رجلين يمطران الجنود بمدفعيهما في غزاره . . .
كان قد سقط ارضا في اعياء بعد ان فقد دما كثيرا . . .
و لكنه ادرك ان هناك من يهاجم الجنود . . .
و ان الجنود يتساقطون امام المهاجمين كاوراق الخريف . . .
و بالفعل كانا مصطفي و بشير يحصدان الجنود اللذين تفاجأو بهما فتساقطو بسرعه . . .
و تحصن الجنود القليلين الباقيين خلف احدي السيارت و هم يبادلوهم اطلاق النار في شراسه . . .
اندفعا الشابين في شجاعه و هم يواصلان اطلاق النار علي الجنود حتى وصلا الى اشرف . . .
سحبه بشير الي احدي السيارت . . .
وغطاه مصطفي بنيران مدفعه الكثيفه . . .
تمسك اشرف بوعيه بكل جهده و هو يتطلع اليهما في دهشه . . . .
سحب بشير قنبله يدويه من احد الجنود الصرعى . . .
فتح صمامها ثم القاها على الجنود المختبئين . . .
اندفع الجنود هاربين بسرعه و لكن القنبله كانت اسرع فاطاحت بهم في عنف . . .
توقف بشير يلهث في انفعال . . .
عاون مصطفى على و وضع اشرف داخل السياره . . .
استقرو بداخلها و ادار بشير المحرك و انطلقوا . . .
لكن اضواء كاشفه كثيره كانت تقترب منهم . . .
( بسرعه يا بشير بسرعه . . . )
قالها مصطفى صارخا و هو يثب الي المقعد الخلفي و يتاكد من حشو مدفعه . . .
انطلق بشير بالفعل باقصي سرعه ممكنه و هو يلقي نظرات قلقه على اشرف الذي كان ينزف بشده . . . .
اقتربت السيارات المطارده منهم و تبادل جنودها اطلاق النار مع مصطفى الذي كان يطلق نيرانه بشراسه و بلا توقف . . .
كان بشير ينحرف بالسياره يمنه و يسره متفاديا الطلقات . . . .
لكن سيارتهم اقتربت كثيرا . . .
اصابت احدى الطلقات مصطفى في ذراعه فتأوه في الم . . . و سقط مدفعه منه . . .
تحامل على نفسه و عاد يلتقطه و يواصل القتال . . .
( مش هانقدر نهرب بالطريقه دي . . . )
صرخ بها مصطفى و هو يبدل خزانة مدفعه . . .
القى نظره حانيه على اشرف الذي فقد وعيه . . .
اختلطت اصوات الطلقات باصوات كثيره في داخله . . .
بصوت اشرف الهاديء الذي طالما طمأنه و احتوي غضبه . . . .
بصوت صواريخ الفانتوم و صراخ النساء و الاطفال . . .
بصوت نحيب أم عادل و ابيه و هم يوارونه التراب . . . .
انطلقت رصاصاته حاره كالجحيم اليهم و هو يشعر بحرارة انفاس اشرف يوم ان تلقى بدلا منه رصاصتين في موسكو لينقذه من موت مؤكد . . .
دمعت عيناه رغم الموقف . . .
فتح باب السياره الخلفى . . .
صرخ في بشير . . .
( هدي السرعه يا بشير . . . )
لم يستوعب بشير الموقف و هو ينظر اليه في خوف . . .
فصرخ مره اخرى . . .
( بقولك هدي السرعه شويه . . . )
( شو عم بتساوي يا مصطفى . . . )
عاد و صرخ بكل قوته . . .
( مفيش وقت هدى السرعه . . . )
ضغط بشير مكابح السياره قليلا فخفت سرعة السياره . . .
و قبل ان يدرك ما حدث . . .
قفز مصطفى خارج السياره و تدحرج متحملا الآم الصدمه ثم نهض و فتح النيران على السيارات المتقدمه التى فوجىء من فيها به فاصابت رصاصاته اطارات احداهما لتنقلب في عنف و اطاحت بجنديين من اخرى و لكن الرصاص انهمر عليه كالمطر . . .
سقط على ركبتيه و هو مازال ممسكا بمدفعه . . .
زاغت عينيه . . .
لم يشعر بالام كما تخيل بل كان يشعر بان جسده خفيف للغايه . . .
يشعر بان ذلك الجسد كان عبئا عليه . . .
تعجب لذلك . . .
تمني لو انه تخلص من ذلك العبيء منذ زمن . . .
سكون مفاجيء حل عليه بالرغم من اصوات الطلقات العاليه . . .
كان يري احدي السيارات تتقدم اليه بسرعه رهيبه . . .
لم يرتجف . . .
بل كان منتشيا . . .
نشوة غريبه مجهولة المصدر . . .
يسمع اصواتا غريبه و لكن محببه . . .
يرى كائنات بيضاء نوريه غاية في التالق تقترب منه . . .
يشم رائحه ذكيه طيبه . . .
حتى عندما صدمت السياره جسده و دهسته . . .
كان ينظر الي ذلك الجسد في تعجب . . .
يضرب بيديه الفراغ فيرتفع . . .
و يبتسم . . .
و يستنشق عبيرا رائعا . . .
و تختفى بعد ذلك الرؤيا . . .
-------------------------------------------------------------
6 اكتوبر 1973
الثانيه و الربع ظهرا . . .
الرابعه و النصف صباحا بتوقيت نيوجرسي الولايات المتحده . . .
تأهب الدكتور بشير لدخول غرفة العمليات لإجراء جراحه عاجله لاحد المرضى . . .
مسحة حزن خفيه تعلو وجهه . . .
فلم تكن احداث العملية الاخيرة قد بردت بعد...
مصرع مصطفى و اصابة اشرف...
تعنيفه بشده من قبل الضابط المسؤول عنه بعد ان خالف الاوامر و تورط في قتال مباشر معرضا وجوده في الولايات المتحده للانكشاف....
احباط شديد ...
فبالرغم من كل المجهود و التضحيات لم يتغير شي...
الجولان محتله....
سيناء محتله . . .
و فلسطين كذلك . . .
و كان كل ما ضحوا به و مازلو...
ذهب هباء. . .
لذلك غلبه الحزن فتغيرت ملامحه الي العبوث...
سيطر على مشاعره بصعوبه حتى لا يلحظ احد ذلك . . .
و ساعده القناع الطبي الرقيق الذي يغطي انفه و فمه . . .
ناولته الممرضه سماعته الطبيه . . .
ثبتها حول عنقه و هم بدخول الغرفه . . .
( دكتور بشير . . . )
قالها له زميله الجراح الامريكي . . .
( نعم )
تردد الدكتور الامريكي قليلا . . .
( هناك اخبار سيئه . . . )
عقد بشير حاجبيه متسائلا . . .
تردد الرجل مره اخري و اطرق و هو يقول بخفوت . . .
( لقد هاجمت الجيوش العربيه اسرائيل )
لم يستوعب بشير الامر . . . نظر اليه في ذهول و هو يخفي انفعالاته . . .
تحشرج صوته و هو يقول . . .
( ماذا . . . ماذا تقول؟ )
وضع الدكتور يده علي كتفي بشير مواسيا و هو يقول . . .
( لقد اقتحم الجيش المصري خط بارليف و انقضت القوات السوريه علي الجولان . . . الموقف خطير للغايه . . . )
تماسك بشير بشده و اتسعت عيناه في ذهول و المشاعر تعصف به . . .
ظل متسمرا محدقا في زميله وشعر بان قدماه لا تحملانه و لكنه تحامل و جاهد حتي يخرج صوته حزينا مصدوما . . .
( يا الهي . . . يا الهي . . . )
تراجع مرتبكا و سقط علي مقعد قريب . . .
دفن وجهه بين كفيه و هو يتمتم . . .
( هل انت متاكد من ذلك . . . )
اجابه الامريكي بآسى . . .
( للاسف يا صديقي . . . لقد فعلها العرب . . . لقد عبروا الى ارض الميعاد من الجهتين . . . )
صمت قليلا متاثرا ثم استطرد في حزن . . .
( فلينقذ الرب اسرائيل . . . )
قالها و ربت علي كتف بشير مره اخري و ابتعد . . .
ظل بشير دافنا وجهه بين كفيه و كل العيون تطالعه في شفقه . . .
و هو يبتسم و يصرخ و يهتف في فرحه داخليه لم تظهر علي السطح ابدا . . .
فرحه عارمه عصفت به و انتزعته من حزنه . . .
كل الافكار السوداء تبخرت...
كل المشاعر تغيرت في لحظة . . .
كل الدماء و الالام تلاشت و اندحرت . . .
و لاول مره شعر بان عمله مثمر . . .
و ان التعب و العرق و الدموع . . . قد اثمروا زهرة يانعه . . .
حاره كالجحيم رغم ذلك . . .
و بكل ثقه في جدوى ما يقوم به منذ عشر سنوات . . .
رفع عينيه مليئتين بالدموع و نظر الى زملائه المتأثرين . . .
قال بصوت مختنق . . .
( مهما حدث . . . ارض الميعاد لنا . . . لن ينتزعوها منا ابدا . . . انها لنا منذ الازل . . . )
و لم يكن يجاهد حتي يظهر طبيعيا . . .
و لانهم لا يعرفون حقيقته . . . .فلم يشكو في شيء . . .
بل زاد تاثرهم و هم يواسونه . . .
و لم يدركوا ابدا . . .
انه . . .
كان يعني ما يقول . . .
-------------------------
6 اكتوبر 1973
الثانيه و الربع ظهرا . . .
المستشفى العسكري في القاهره . . .
رقد اشرف الجلاد في فراشه محاطا بالضمادات . . .
لم تؤلمه جراحه العديده . . .
و لكن قلبه كان يأن بشده . . .
استشهد مصطفى . . . وهو يدافع عنه . . .
فقد ثاني اعز رجاله اليه في اقل من شهر . . .
طفرت دمعه حاره من عينه . . .
انسالت على وجنته و لم يوقفها . . .
كل الاعزاء ذهبوا . . . و بقي هو . . .
لماذا؟ . . .
كان هذا السؤال يصرخ بداخله . . .
لماذا بقى؟ . . .
وحيدا . . .
يقاتل الذكريات و يتجرع كاسا من الحزن في كل نفس . . .
ينكوي بنيران الواجب الذي طالما اداه و استبسل فيه . . .
و الذي لم يسفر عن شيئ بعد . . .
مازلت الارض محتله . . .
مازال العار جاثما على الوطن . . .
و على النفوس . . .
قاموا بعمليه ناجحه و موجعه في عقر دار العدو . . . ثم ماذا؟ . . . لاشيئ
لاشيئ على الاطلاق . . .
لم تتاثر دبابتهم و لا طائراتهم و لم يتحرك جيشهم الجرار قيد انمله الى الخلف . . .
كانفجار قنبله صغيره في اعماق المحيط . . .
لا يتغير بسببها سطحه . . . بل يظل هادئا مستقرا متحديا . . .
بلغ احباطه مبلغه فاغمض عينيه حتى لا يري صوره مصطفي وهو يسقط وحيدا بينهم . . .
و انسابت دمعه اخرى حزينه . . .
و بعد دقائق قليله . . .
تلك الدقائق القليله التى تغير الزمن و التاريخ . . .
ذلك الوقت الضئيل للغايه الذي يفصل في مقادير الشعوب و الامم . . .
انتفض جسد اشرف المحاط بالضمادات من مكانه على صراخ عالى جدا و اعتدل في جلسته بصعوبه و هو يحاول النهوض من فراشه ليستطلع الامر . . .
و قبل ان يصل الي الباب اندفعت الممرضه الي داخل الغرفه و هي تصرخ في انفعال . . .
( عبرنا القناه . . . عبرنا القناه يا فندم . . . )
تسمر اشرف في مكانه . . .
ارتخت قدماه..
كاد ان يسقط و لكنها اندفعت اليه تسنده . . .
ارقدته علي الفراش و اندفعت تحضر الراديو اليه . . .
على صوت المذيع المصري في الراديو يعلن عن عبور القوات المصريه خط القناه و سقوط خط بارليف الحصين . . .
انسابت الدموع حاره من عيني اشرف و هو ينظر الى الممرضه التي شاركته الدموع . . .
اغمض عينيه متاثرا و انخرط في بكاء حار و هو يتمتم في خفوت . . .
( الله اكبر . . . الله اكبر . . . الله اكبر )
ربتت الممرضه علي كتفه في حنان ثم اندفعت الي الخارج لتشارك الجميع الفرحه . . .
تنهد اشرف في عمق ووضع يده علي قلبه . . .
( الحمد لله يا مصطفى . . . الحمد لله يا عادل . . . دمكم مارحش هدر . . . )
قالها لنفسه من بين دموعه و هو يشرد ببصره في الحديقه المقابله له من النافذه . . .
صمت قليلا و تماسك ثم عادت دموعه لتنهمر حاره . . .
( كان نفسي تكونو معايا دلوقتي . . . )
قالها بصدق و عمق و حراره . . .
قالها و هو يرفع عينيه الي السماء . . .
وهو يبكي و يردد . . .
( و لا تحسبن الذين قتلو في سبيل الله امواتا . . . . )
قالها و هو يشعر بجسر خفي فتح بينه و بين السماء . . .
خيل اليه انهم يسمعانه . . .
بل شعر بحركة خفيفه خفيه في الغرفه . . .
تلفت حوله متعجبا . . .
لم يري احد . . .
و لكن شعر جسده انتصب قليلا و شعر و كان احدا بجواره . . .
علت دقات قلبه في البدايه بعنف . . .
ثم هدأ تدريجيا و لاحت علي شفتيه ابتسامه راضيه . . .
اغمض عينيه . . .
استرخى في رقدته . . .
سمع صوت انفاسهما بجواره . . .
بهمساتهما و مزحهما . . .
اغمض عينيه في سعاده . . .
و استسلم للنوم . . .