الجمعة، 8 أكتوبر 2010

ارض الذئاب

(انا قولتلكم مليون مره ...النسوان مرميه في الشوارع علي قفا مين يشيل ...مش لازم ديه...)
................
(
ادينا اتزفتنا اتدبسنا اهوه...هانهبب ايه دلوقتي بقي؟....حد يقدر يقولي...)كان يصرخ في غضب شديد و هم ينظرون اليه في صمت ووجوم...لم يرد عليه احد ...فقط تبادلو النظرات المتوتره فيما بينهم....نفث دخان سيجارته في غضب و امسك رأسه بيده و هو يتمتم...
(
احنا اغبياء...فعلا اغبياء...)تكلم احدهم بصوت متحشرج....
(
خلاص يا عماد بقي يا اخي ...قولنالك هانشوفلها حل...ماتفضلش تقطم فينا...كده...احنا مش ناقصين تعب اعصاب....)نظر اليه عماد في شراسه شديده و توترت شفتاه قليلا...عاد ينفث دخان سيجارته في و هو يزفر في حنق ...نظر الي احدهم...
(
دبرتلنا واحد ولا لسه؟)
(
لسه بدور...)قالها في خفوت و ضيق و هو يشيح ببصره بعيدا...القي عقب سيجارته من النافذه المفتوحه و استند اليها بذراعيه القويتين و اولاهم ظهره...
(
مش عايز افكركم ان احنا داخلين علي ترقيات النشره اللي جايه ...كلنا...ولو ماتحلتش القصه دي وريحتها فاحت ...هانروح في داهيه كلنا...)تبادلوا النظرات المتوتره و لم يعقبوا....تكلم هو بخفوت...
(
البت فين دلوقتي يا ياسر...)
(
في المستشفي...)عض علي نواجزه في غضب و اغمض عيناه.....التفت اليهم مره اخري و عيناه محمرتان...
(
نفسي افهم بس انت ضربتها ليه يا مازن...نفسي افهم...مكنت تخليها تغور في داهيه...)نظر اليه مازن في حنق شديد...
(
بقولك ايه يا عماد...كلنا كنا شاربين وانت عارف...وانت اول واحد كان موافق عليها...)كان يتكلم بغضب و اندفاع شديدين فابتلع عماد ريقه بصعوبه و نظر اليه في غضب ولم يرد....خيم الصمت علي المكان لفتره طويله ....
(
نهايته....)اشعل سيجاره اخري في غضب....و نفث دخانها بقوه و هو ينظر الي الشارع المظلم...
(
دبرلنا واحد باقصي سرعه يا ياسر....و مش عايزين نطول كتير في القصه ديه...)اومأ ياسر براسه ايجابا و هو يفكر في عمق...
(
شوف يا عماد ...الواد ابراهيم شافلي واحد من كام يوم...لقطه...بس فيه مشكله واحده....)نظروا اليه بلهفه و تساؤل...
(
ايه هيا المشكله؟)نظر اليهم في توتر...
(
الواد اخرس.....)تبادلو النظرات الحائره...
(
طب دا عز الطلب يا اهبل....مبتنطقش مالصبح ليه...)قالها عماد في لهفه....
(
يا عم اليومين دول العيال بتوع منظمات حقوق الانسان و الهجص ده قرفنا اخر قرف و جايلنا اوامر من الوزير ان احنا نتجنبهم .....)نظر اليه عماد في غيظ....
(
ياسلام...مانتا فالح اهوه....)....(يا بني ولا حد هايحس بحاجه خالص ...احنا هانظبطها مالكش دعوه انت...)نظر الي الاخرين و هو يتابع بحماس....
(
ولا ايه يا رجاله؟؟؟؟)هتفوا كلهم ايجابا في نفس واحد تقريبا....نظر عماد الي ياسر و تهللت اساريره...
(
ها يا عم ياسر ...خلصنا بقي ...ملكش دعوه انت ولا حد هايشم حاجه....)نظر اليه ياسر في قلق شديد...
(
عماد ...انا مش عايز وجع دماغ...انا مصدقت خلصت من قصه الواد اللي مات الجمعه اللي فاتت...ابتسم عماد ابتسامه شرسه...
(
اولا مافيش حل تاني...ثانيا...كلمه شرف مني... ماحدش هايشم خبر خالص...ها ...قولت ايه...؟)نظر الي التوسل المرسوم في عيونهم...ثم ابتسم في شراسه هو الاخر...
(
ماشي ...بس الويسكي الشهرده كله عليكم....)هتفوا جميعا في فرحه...
(
يا با انت جيت في جمل....يعني هوا احنا من امتي بنشتريه...ماكله من جيب الحكومه...)انفجروا جميعا ضاحكين ...و انتابتهم حاله من الضحك الهستيري...زادها الخمر تاججا....
.................................................. .................................................. ..............................................
تعلق عصام بالقائم المعدني المجاور لباب الحافله المزدحمه و ترك جسده يتارجح خارجها في استمتاع شديد و اغمض عيناه مبتسما و الهواء المنعش يلفح وجهه...كان يلعب هذه اللعبه كل صباح و هو متجها الي عمله....حتي انه كان لا يركب الحافلات الخاويه-ان وجدت-و ينتظر اشدها ازدحاما لينطلق اليها في اللحظه الاخيره و يتعلق بالقائم المعدني في سعاده...ظل متعلقا حتي وصل الي محطته فقفز من الحافله قبل ان تتوقف وهو ينظر الي الناس في زهو....عبر بجوار كشك صغير يجلس بداخله شاب اسمر و اشار اليه في مرح دون ان يتكلم...فبادله الشاب التحيه و هو يبتسم...
(
صباح الخير يا ابو نص لسان...)كان يحاسب احد المشترين الذي نظر الي عصام في اشفاق و هو يقول...
(
ايه ده اخرس ولا ايه...)
(
اه...بس دمه زي العسل...والله يا بيه واد في منتهي الرجوله...)اومأ الرجل متفهماو تناول اغراضه و انصرف...انطلق عصام يصعد الدرج بسرعه و هو ينشد كلمات غير مفهومه و يهز راسه كالاطفال...دخل الي العياده...ثم الي المطبخ ...شرع في اعداد الشاي بسرعه و حماس....جائه صوت من الداخل....
(
يالا يا عصام خلصني ....ساعه بتعمل الشاي....)ابتسم في مرح و هتف بكلمات خرساء غير مفهومه....لكن يبدو ان صاحب الصوت كان يفهمه تماما....
(
يالا يا كداب...دانا لسه شايفك داخل حالا...)ضحك عصام ضحكه مرحه صافيه...حمل الشاي الي الدكتور زياد...تكلم كلمات مبهمه وهو يبتسم...
(
لا يا حبيبي...انسي....)اجابه زياد في مرح و هو يتناول الشاي و نظر الي الكومبيوتر....اعاد الكلمات المبهمه و هو يقطب حاجبيه و يبتسم...بدا وكانه يتوسل...هز زياد راسه نافيا في مرح ...
(
لا يعني لا...مفيش مرواح بدري النهارده...انا سهران الليله ديه و عايز شاي كل خمس دقايق...تمتم عصام بغضب مرح و هو ينصرف...
(
استني استني...خد تعالي هنا...انت عايز تطلع بدري ليه صحيح...تعالي تعالي انا فقستك...)ضحك عصام ضحكته الصافيه المرحه و هو ينظر اليه...
(
اه يا عم روميو... عايز تروح تزور الحبايب...ماشي ماشي...من لقي احبابه نسي اصحابه...)ضحك عصام ووضع يده علي قلبه و تكلم بكلماته المبهمه...ابتسم زياد في سعاده حقيقيه...و اردف...
(
عارف والله يا عصام عارف...يالا يا عم ربننا يتمم بخير...بس اسمع...خلي حماتك تخف علينا شويه في الطلبات...انت مش هاتتجوز هيفاء وهبي يعني...)ضحكا بشده...و انصرف عصام...مر اليوم كعادته سريعا في عيادة الدكتور زياد الطبيب النفسي...و انصرف عصام مبكرا ..فرحا...هبط الدرج في سرعه وحماس و الفرحه تشع من عينيه...القي نظره متسائله علي سياره الشرطه المتوقفه امام المبني...ثم مالبث ان تحولت نظرته الي هلع عندما هبط منها رجلين عملاقين يبدو الشر عليهما و توجها اليه...تباطئت خطواته و هو ينظر اليهما في ذعر....قبضا علي ذراعيه في قسوه...
(
تعالي...دا احنا مستنينك من الصبح...)صرخ ملتاعا و هتف بكلماته الخرساء...
(
متبرطمش كتير مش عايزين وجع دماغ...امشي قدامي و انت ساكت...)سحباه سحبا الي السياره و هو ينظر الي اعلي حيث الدكتور زياد و يهتف في خوف....
(
هوا ده الواد يا باشا...تمام كده...؟)نظر اليه النقيب ياسر نظره قاسيه ...ثم اومأ اليهم براسه دون ان يتكلم و هو يتفحصه في عمق...وضعوه داخل السياره و انطلقو...و في العياده شعر زياد بقلق مفاجأ و احس و كانه سمع صوت عصام يناديه...نظر من النافذه الي الشارع الخاوي...لمح سياره شرطه تبتعد....ثم مالبث ان هز راسه و عاد الي مكتبه...
(
انا شكلي كده فصلت من التعب...)رفي قسم الشرطه...اقتاد الرجلين عصام الي زنزانه خاويه و القياه داخلها بقسوه....
(
الو..ايوا يا عماد...انا جبت الواد...هوا عندي دلوقتي في الحبس...خلصونا بقي...عشان انا اتخنقت من الفيلم ده)اغلق هاتفه النقال...استدار الي الرجلين العملاقين...
(
فرج...الصبح الواد ده هايتعرض علي النيابه....مش عايزه يعرف يفرق بين اليل و النهار...مفهوم...)برقت عينا الرجل في شراسه....
(
بس كده يا بيه...من عينايا....)انصرف ياسر بسرعه...و استدار فرج الي زميله...
(
يالا يا حسين...السهره هاتحلو النهارده....)ضحكا في قسوه...فتحا باب الزنزانه المظلمه...نظرا الي عصام الملتاع و الذي تراجع في رعب و صدره يعلو و يهبط في انفعال....صفقا الباب خلفهما في عنف...وفي الخارج...هم ياسر ان يركب سيارته...توقف قليلا عندما تناهي الي مسامعه صراخة خرساء رهيبه كانها قادمة من قبر موحش...اهتز قليلا...شعر بقشعريره بارده ركب سيارته و انطلق....في صباح اليوم التالي شبك أمجد و كيل النيابه اصابعه امام وجهه...شاردا....
(
الواد بره يا باشا...ندخله...)نظر الي الجندي في توتر...
(
استني شويه...لما اندهلك دخلهولي...)
(
تناول سماعه الهاتف وطلب رقما سريعا...)
(
ايوا يا عماد...انا امجد...صباح الفل...اسمع....الواد عندي هنا...انتو ظبتو كل حاجه...اه...اه...طيب يالا ماشي...)وضع السماعه و اخذ نفسا عميقا....
(
عادل...عادل...دخلي الواد و انده صابر شوفه فانهي داهيه...)دخل صابر بسرعه الي الغرفه...
(
صباح الخير يا امجد بيه...)
(
انت فين يا صابر...كل يوم تاخير...و بعدين ايه حكايتك...)
(
معلش يا باشا انا اس...)بتر عبارته و شهق في خفوت و اتسعت عيناه عندما دفع جنديان شابا نحيفا الي الداخل....كان عصام مشوها تقريبا...تحيط بعينيه كدمات سوداء كبيره ...يسيل الدم من راسه...شفتاه مقطوعتان قطعا طوليا مخيفا...ذراعه مكسور...و قدماه لا تحملانه تقريبا...تطل من عيناه نظره ملتاعه ذاهله...نظر اليه امجد نظره متوتره و تفحصه ببصره قليلا...رسم الصرامه علي وجهه...نظر الي صابر...
(
ايه يا صابر هاتفضل واقف كده كتير...)ابتلع صابر ريقه في صعوبه غير قادر علي تحويل بصره من علي عصام...انهار علي مقعده...فتح ملفا يحمله ...تناول قلما و هو يختلس النظر اليه في شفقه...
(
س....اسمك و سنك...)
..............
لم يتلقي جوابا من عصام فتناول بطاقته التي احضرها اليه الجنود...ازاحها الي صابر ...
(
اكتب البيانات اللي هنا...)تناول صابر البطاقه و ارتجفت يداه و هو يكتب...
(
انت متهم باغتصاب الانسه رانيا عبد الحميد حسن....)....(اقوالك ايه)لم يرد عصام ولم يبدو انه سمع ...
(
يا عادل...يا عادل...اندهلي متخصص الصم و البكم...)ثوان قليله و دلف الي الحجره شاب صغير ...ناوله امجد مذكره الاتهام...فبدا في توجيه الاسئله الي عصام...كان صابر يدون بيديه اعترافات من عصام بارتكابه جريمة الاغتصاب مع سبق الاصرار و الترصد و هو يختلس النظر الي عصام الذي لم يتفوه بكلمه واحده....شعر بغصة في حلقه ورفع بصره الي عصام...لكن عيناه اصتدمت ينظره قاسيه من امجد...فعاد يخفضهما في صمت و هو يواصل تدوين المحضر....انتهي الامر...اغلق المحضر...اقتاد الجنود عصام الي الزنزانه.....ابلغ امجد رفاقه بنجاح الخطوه الاولي...وفي عيادته ...اعتصر الدكتور زياد سماعه الهاتف بقوه و هو يحدق في الفراغ مذهولا...
(
ان..انا مش..مش فاهم حاجه يا صبحي...ازاي يعني اتهموه بالاغتصاب..و امتي الكلام ده...)
(........)
(
طيب طيب هدي نفسك انت بس و قول للحاجه ام عصام متقلقش و انا هاخد محامي و اروحله فورا...)وضع زياد السماعه في بطيء و عقد حاجبيه مفكرا ...ثم طلب رقما قصيرا و تناول نفسا عميقا...
(
اكلم المتر احمد عبد الهادي لو سمحت....)
(
ايوا يا حمد انا زياد...)قص عليه ما سمعه باختصار و انفعال...ثم تناول نظارته و اغلق العياده و انطلق...ثلاثة ايام مضت ...تردد زياد و صديقه المحامي بين النيابه و المستشفي حيث ترقد الفتاه المغتصبه و التي كانت تعاني من ارتجاج بالمخ نتيجةضربة قوية علي رأسها....و بذل أحمد المحامي جهدا كبيرا لكي يجمع اطراف القضية و كان زياد برفقته دائما يبحث معه الامر و يستغل خبرته بالطب النفسي لكي تعاونهم....كانا يقفان ليلا علي كوبري قصر النيل ينظران في صمت ووجوم الي النهر المظلم و الحزن يطل من عيني زياد بشده...
(
شوف يا زياد...)
(......)
(
القصة دي متفبركه...يعني ملفقين للواد القضيه ...وواضح جدا ان الجناه الحقيقين مسنودين...)لم يتلقي رد من زياد الذي اغمض عينيه في الم....
(
شوف...بخبرتي في العالم الوسخ ده ...اقدر اقولك ان اللي عملو العمله دي ليهم علاقه بالشرطه او بالنيابه...لان سير الاحداث و السلاسه اللي ماشيه بيها القضيه غريبه فعلا...)
(
و ايه العمل؟)تنهد احمد في ضيق...
(
مش عارف...ادينا هانحاول ... وربنا يسهل...)...(بس خليني اسئل سؤال؟)
(
اسئل...؟)
(
ايه اللي مخليك متعلق بالولد ده كده اوي...يعني دا مهما كان ساعي بيشتغل عندك...)لم ينظر اليه زياد...فقط دمعت عيناه و شرد ببصره...
(
انت متعرفش عصام...دا انقي مخلوق شفته في حياتي...و بعدين دا عشرة عمر هو و اهله من ايام ابويا الله يرحمه...)اومأ احمد براسه متفهما و استند بمرفقيه علي سور الكوبري و شرد هو الاخر...مرت الاحداث سريعا...حاول زياد ان يقابل عصام عدة مرات و فشل و كان ذلك اكثر ما يؤلمه ...فشلت محاولات احمد المستميته في اظهار البرأه....لقلة الادلة و توافر ادلة الاتهام الملفقه....و في يوم المحاكمه...جلس عصام في القفص أقرب للموتي منه للاحياء...حاول احمد ان يلتمس عند القضاه الرأفه بحاله ولكن قوة الادلة حالة دون ذلك...و بينما زياد غارقا في حزنه حانت منه التفاته تجاه وكيل النيابه ....لمح شيئا غامضا في عينيه...شيئا لا تخطئه عيني الطبيب النفسي ابدا...و لاحظ زياد التفاته الدائم الي زاوية من قاعة المحاكمه اثناء الاستراحه...القي نظرة علي ثلاثة اشخاص ينزون بعيدا ...لاحظ في نظراتهم شيئا ما...لم يجزم بماهيته لكنه...لم ينساه ابدا...و عندما نطق القاضي بالحكم علي عصام...دمعت عيناه رغما عنه و صراخ و الدة عصام و خطيبته يشق ضجيج القاعه و يخترق قلبه اختراقا...اما عصام فكان يبكي في حرقة شديده و هو يصرخ مناديا زياد ان لا يتركه...تشابكت اصابعهما من خلف القفص....تمزق قلب زياد بشده و هم يسحبون عصام سحبا الي الداخل....مضي زياد الي بيته مهموما ...مكسورا...و ان لم ينسي تدوين ملاحظاته....و في الجانب الاخر...في ساعه متاخره من الليل...اجتمع الاربعه في منزل عماد....كانو صامتين...واجمين...رغم انتهاء الامر.،...
(
مالكو متنحين ليه كده...مش خلصنا خلاص من القصه ديه...)قالها عماد و ان لم يكن اقل منهم وجوما....
(
انا قلبي مقبوض يا اخي مش عارف ليه)
(
ليه يا عم ياسر...صعبان عليك الوادو لا ايه...)
(
يا عم واد ايه في ستين داهيه...انا بس مخنوق مش عارف ليه....)نهض مازن فاجاه متوترا...
(
انا مروح مش طالبه معايا سهر الليله دي)نهض معه امجد...
(
و انا كمان...)
(
الله الله ...انتو هاتقلبوها غم ليه كده.. ماتستنو نشرب كاس...)نهض ياسر بدوره...
(
لا انا كابس عليا النوم...اليومين اللي فاتو دول ماكنتش بانام...نروح نتخمد احسن...)انصرف الجميع علي وعد باللقاء...و بعد عدة ايام اتصل ...عماد بياسر...
(
ياسر...بقولك ايه انا عايز اشوفكو النهارده...حصل معايا حاجه كده منكده عليا... عايزين نتقابل...)و بالفعل اجتمعو مرة اخري و لكن بوجوم اكبر...تكلم عماد بضيق....
(
انا حلمت امبارح حلم زي الزفت...)نظروا اليه جميعا بدهشة شديده....
(
حلمت اني باسمع صوت الواد الزفت ده بيصرخ صرخه رهيبه...فضل يصرخ يصرخ لدرجة اني قمت من النوم مفزوع...)فغروا جميعا افواههم في ذهول....
(
لا مش ممكن ...مش ممكن يكون ده حقيقي...انت بتشتغلنا يا عماد...)
(
اشتغلكو ليه يعني....يا ياسر...انت شايفني بهزر...)التفت ياسر الي امجد مذهولا....
(
يبقي انت قلتله يا امجد...)نظر اليهما عماد بذهول و تساؤل...
(
والله يابني ماقلتله حاجه...)اجابه امجد متوترا...
(
استنو استنو قالي ايه...يعني ايه الكلام ده...)تكلم مازن بصوت عميق لا يخلو من الخوف...
(
انا كمان حلمت نفس الحلم امبارح....)نظرو ا اليه جميعا مذهولين و هو يواصل في خوف واضح....
(
فيه حاجه مش طبيعية...كلنا حلمنا نفس الحلم ده...)تسمروا جميعا في ذهول يتبادلون النظرات المتوجسه...
(
ايه الفيلم الرعب اللي احنا عايشين فيه ده...احنا شكلنا كده بنتقل اوي في الشرب اليومين دول...)خيم عليهم الصمت الثقيل لدقائق مرت كالسنين قبل ان يتكلم مازن مرة اخري في عمق...
(
بقول ايه...يا ريت بلاش نتقابل اليومين دول..احنا اعصابنا تعبانه ....)و بدون كلمة اخري انصرفوا جميعا في صمت...و في الصباح....
(
الو...ايوا يا عماد....انت عرفت)
(
اه عرفت...)
(
مين قالك...؟)
(
امجد...)
(
طيب انا مسافر شرم يومين تلاته اريح اعصابي ...يا ريت محدش يتصل بيا...)تلقي زياد نبأ وفاة عصام كالصاعقه...دفن وجهه بين كفيه و اجهش بالبكاء....حتي انه لم يرد علي الهاتف الذي ظل يرن بإلحاح....و لكنه تناول السماعه في نهاية الامر...
(
الو...)
(
البقاء لله يا زياد...)
(
انا لله و اا اليه راجعون يا احمد...)
(
هوا ...توفي اذاي يا زياد...)صمت زياد قليلا ثم اجهش بالبكاء في شده...قبل ان يقول بصوت تملئه الدموع...
(
مات من الظلم...من الظلم يا احمد....)و بعد ايام قليله...كان النقيب ياسر يجتمع مع رؤسائه في مديرية امن القاهره....تحدث لواء مهيب الطلعه اليه...
(
احنا واثقين فيك يا ياسر...العيال دول خطرين...عايزين نخلص العملية بدون مالصحافة تشم خبر...مش عايز اي شوشره...مفهوم...؟)اجابه ياسر في حماس...
(
متقلقش يا باشا...هانخلص عليهم...بدون ماحد يحس بحاجه...)ادي التحية العسكريه و انطلق الي سيارته...رفع اللاسلكي الي فمه...
(
جاهز يا لطفي،،،،)
(
جاهز يا فندم...)هما فين دلوقتي...)
(
لسه جوا البيت يا فندم...و احنا محاصرين المكان...)
(
طيب يالا انا جاي في الطريق...)كانت عملية خطره...يمني نفسه بمثلها منذ زمن...لكي يسطع نجمه في الادارة...و تعلو شهرته....وصل الي المكان...ترجل من السياره...استل سلاحه....
(
لطفي جاهزين؟)اومأ اليه لطفي ايجابا...
(
حاولو تخلصو العمليه بسرعه ...لو عرفتو تخلصو عليهم بالسلاح الابيض يبقي كويس...لو المقاومه زادت اضربو نار...)
(
تمام يا فندم...)
(
اول ماتخلصوا اديني الاشاره...)رمقه لطفي بنظرة غريبه...
(
تمام يا باشا...)قالها و اشار الي جنوده و انطلق الي احد المنازل القديمه يتسلل...وهو يحدث نفسه...
(
جيت برجليك يا ياسر بيه...و كمان عايز تدخل علي الجاهز بعد ماحنا نخلص...اوعدك انها هاتكون اخر اشاره تسمعها في حياتك...)اندفع الي المنزل...و اشار لجنوده بالانتظار و تامين المكان....تظاهر بالبطوله و ضرب الباب بقدمه و اندفع داخل المكان في جساره تلفت يمنه و يسره ...ضرب باب احد الحجرات بقدمه...اندفع الي الداخل ...تلفت حوله مرة اخري...خرج من الحجره ...دخل الي حجرة اخري... بنفس الطريقة
و في الخارج ...تكلم احد الجنود المحاصرين المكان الي زميله همسا...
(
قلبه ميت الرقيب لطفي ده...)اشار له زميله بالصمت...اما لطفي...فقد كان يتفقد الغرفه الاخيره بحذر...نظر خلفه ليطمئن ان احدا لا يراه...تكلم همسا...
(
انتو فين...)جائه الصوت من الاعلي من داخل صندرة ملابس قديمة...
(
فوق...اوعي تبص...زي مانت...جبت الواد...)برقت عيناه في شهوه...
(
جبتو الفلوس؟)
(
الفلوس موجوده زي ماتفقنا...)نظر الي اعلي نظرة خاطفه...
(
طيب الزبون بره هادخلهولكو وانت قرقشوه براحتكم...)
(
اتاه الصوت هامسا...
(
تمام...اخرج بسرعه عشان محدش يشك فيك.)تراجع لطفي وخفض سلاحه ثم وضعه في جرابه ثم خرج الي الجنود و اشار اليهم بان يخفضوا سلاحهم...
(
تمام يا فندم مافيش حد...)نظر اليه ياسر بارتياع...
(
يعني ايه مفيش حد...راحو فين يعني..)تنهد لطفي مصطنعا الحسره...شكلهم كده هربوا قبل مانحاصر يا فندم...فيه اثار لهروبهم...تعال شوف بنفسك)اندفع ياسر الي الداخل و خلفه لطفي الذي صرخ في الجنود و هو يشهر سلاحه مره اخري...
(
حاصرو المكان...)اندفع ياسر بلا سلاح داخل الحجره ونظر الي النافذه المفتوحه...و قبل ان يتفوه بكلمه...هوي خنجرا علي ذراعه بقسوه شديده و كمم احدهم فمه ليمنعه من الصراخ...وقبل ان يقاوم شل رجلان حركته تماما...نظر الي لطفي بارتياع فتجاهله لطفي تماما و كانه لا يراه و صرخ في الجنود...
(
فتش الخرابه اللي ورا و البيوت اللي جمبينا يا جمعه بسرعه...اقلبو الدنيا علي ولاد الكلب دول...
(
حاول ياسر ان يصرخ لكن فوهة مسدس بارده الصقت بجبهته و حدق في عيني صاحبهما الملثم برعب...
(
اما لطفي فقد اغلق باب الحجره بعد ان اطمأن الي رحيل الجنود...ثم وضع مسدسه في حزامه وتجاهل نظرات ياسر الملتاعه و توجه الي احدهم...
(
انا كده برائه ..ايدك علي الفلوس..احنا اتفقنا اسلم واستلم علطول...)نظر اليه الرجل بازدراء...
(
انت كلب يا لطفي...بس انا غصب عني بتعامل مع الكلاب...)اشار الي اخر فاخرج حقيبة جلديه القاها للطفي...الذي فتحها بسرعه و برقت عيناه في جشع و ابتسم ابتسامة صفراء مقيته..و هو ينظر الي ياسر...
(
معلش يا بن الاصول...دنيا ديابه مفيهاش امان...دول ميت الف جنيه مش لعبه...ابقي سلملي عالمترو...)قالها و انطلق الي الخارج واطلق عيارين في الهواء و هو يصرخ...يا جمعه يا جمعه الحق النقيب ياسر...بيضربوا علينا نار...حاول ياسر ان يصرخ مره اخري و هو يبكي الما ولكن القبضه القويه التي كممت فمه لم تتيح له ذلك...ازاح الملثم لثامه...
(
فاكرني طبعا يا ياسر بيه....انا عاطف ..اخوه التوأم...ياريت كان فيه وقت اعمل فيك زي ماعملت فيه بس مفيش وقت للأسف...)قالها و هوي بخنجره علي قلب ياسر الذي شهق شهقة الم رهيبه و جسده ينتفض في عنف ثم اعقبها باخري في معدته ....نظر اليه نظره اخيره و هو يسقط...بصق عليه...ثم اشار الي زملائه و اختفوا كالاشباح...و من بين انفاسه المتقطعه،،،،
تذكر ياسر ذلك الشاب الذي مات بين يديه من التعذيب و عبثا حاول ان يتشبث بشيء لكنه لم يستطع...فسقط...سالت منه الدماء و راي الجنود يتدافعون اليه و يحملونه و الناس تتجمهر...و من بين الناس و بعينيه الزائغتين لمح شبحا نحيفا متورم العينين يقطر الدم من راسه ينظر اليه في اسي...ثم يصرخ
..
ويصرخ
صرخة مريعه جعلت جسده ينتفض في عنف شديد...و كانت الإنتفاضة الاخيره...سقط بعدها بلا حراك...وفي مكتبه هوي الخبر علي أمجد وكيل النيابة كالصاعقة...تسمرت يداه علي سماعة الهاتف و هو يستمع الي عماد الذي كان صوتة يرتجف....اغلق السماعة و دفن وجهه بين كفيه و هو يتمتم غير مصدق...
(
مستحيل ...مستحيل...)ظل ذاهلا لفتره طويله ثم تناول هاتفه الخلوي....
(
مازن انت لسه في شرم...)
(
ايوه ليه... مش قلتلكم ماحدش يتصـــ.....)
(
ياسر اتقتل امبارح)حمل اليه صمت مازن و انفاسه المتلاحقة خوف بلا حدود فانهي المكالمه و عاد لشروده....قضي يومه مهموما متوترا شاردا....ثم غادر المكتب عاقدا العزم علي ان يمنح نفسه اجازة هو الاخر و يبتعد عن القاهره قليلا....و بعد اسبوع واحد....كان عماد كعادته يمارس تدريبات الاثقال في احد الصالات الفخمة بالقاهره...ينفث الخوف و التوتر مع انفاسه المتلاحقه و هو يحمل وزنا ثقيلا وعضلاته القويه تكاد ان تنفجر....
(
احسن يا بطل...ماشاء الله...)كان قد اعتاد علي مثل هذه التعليقات...
(
شكرا...)قالها بانفاس متقطعه و هو يلقي الاثقال ارضا...التفت الي الشاب القوي البنيه الوسيم الذي يبتسم اليه في ود واضح....
(
بتلعلب بقالك قد ايه يا ابو الكباتن؟)اثارت الكلامات نشوة عماد فهز كتفيه العريضتين متصنعا اللامباله...
(
ممكن تقول من عشر سنين)رمقه الشاب بنظرة إعجاب واضحه...
(
لا ماشاء الله باين عليك...ليه مدخلتش بطولات طيب؟)
(
والله ظروف عملي ماسمحتليش ...انا نقيب في امن الدوله...يعني انت عارف شغلنا بقي)
(
الله اكبر... لا يا فندم داحنا نخاف منك بقي...)ضحك عماد ضحكة قصيرة مغروره و هو يتصنع التواضع...
(
لا لا...عادي متخفش...)تبادلا حوارا قصيرا باسما أثراه لباقة الشاب و مظهره الانيق...صافحه بعدها عماد و حمل حقيبته و انصرف تشيعه نظره ودودة من الشاب...و ما ان اختفي عماد عن بصره حتي تناول هاتفه المحمول بسرعه...
(
إيناس... الواد خارج...لا بس تي شيرت اسود عليه علامة نيك...خلصي و رنيلي..،)انهي المكالمه بسرعه و خرج هو الاخر في أثر عماد...فتح عماد باب سيارته و هم بالركوب لكنه تسمر مشدوها و ردد دون ان يشعر...
(
ايه ده ...)عبرت من جواره فتاه رائعة الجمال ترتدي ملابس مثيرة للغايه ...القت عليه نظرة ماجنة وواصلت طريقها...تردد قليلا ثم انطلق خلفها...
(
علي فكره الشارع ده قلق بالليل...بلاش تمشي فيه لوحدك...)توقفت بغته و نظرت اليه بقلق شديد....
(
انت عاوز ايه...انت كمان...)
(
ولا حاجه انا بس خايف عليكي ...الدنيا ليل و المهندسين دلوقتي تبقي خطر عليكي...انا عاوز مصلحتك...)تلفتت حولها في قلق ...
(
شوف انا مش خايفه منك مش عارفه ليه...ربنا يستر بقي...ممكن توصلني مدينة نصر لو في طريقك؟)تهللت اساريره فرحا...
(
اوي اوي انا اصلا ساكن هناك...)اقتادها الي السياره يكاد ان يطير من الفرحه ...زاد من شد جسده لتبرز عضلاته القويه اكثر عندما لمحها تتطلع اليه في شغف...تبادلا حوارا قصيرا في الطريق ...ثم اشعلت سيجاره بطريقة مثيرة و التفتت اليه و نفثت دخانها في وجهه...ارتفعت حراره جسده فاجاه و هو يقاتل لكي يركز عينيه علي الطريق...
(
ماتيجي معايا البيت... اصل انا بايته لوحدي النهارده ...اهلي كلهم مسافرين...)كاد قلبه ان يتوقف من السعاده و حاول ان يتظاهر باللمبالاه فلم يستطع...وجد نفسه يهتف في حماس...
(
طبعا...طبعا انتي فين في مدينة نصر....)وصلا بيتها في تلك المنطقة النائيه في اطراف مدينة نصر ...صعدا العماره الخاويه تقريبا....دلفا الي شقتها و اغلقت الباب ...نظرت الي جسده القوي نظرتها المثيره...ثم تقدمت منه في بطيء...القت نفسها بين ذراعيه فاجاه....احتضنها بشده و هو يتنهد...حملها كالطفله و هي تضحك و القاها علي الفراش ...نزع سترته الرياضية فبدا جسده الممشوق و هي تنظر اليه في شغف راقدة علي الفراش...قبل ان يقترب منها حانت منه التفاته الي المرآه المعلقه فوق الفراش فتسمر في رعب ...فخلفه تماما برز رجلان الشاب الذي قابله في صالة التدريب...و قبل ان يصدر عنه اي رد فعل انغرس في ذراعه محقن فشهق بقوه و حاول ان يستدير اليه لكن تاثير المخدر القوي اتي مفعوله بسرعه فسقط علي الفراش بلا حراك...و بسرعه تغيرت نظرة الفتاه العابثه و حلت محلها نظرة صارمه قاسيه وقفزت من علي الفراش و تناولت هاتفها النقال...تحدثت بالانجليزيه...
(
ديفيد...الطرد جاهز...امهلنا اقل من نصف ساعة...لا تتاخر كالمرة السابقه...)انهت المكالمه بسرعه و عاونت الشاب علي تمديد عماد علي الفراش...قيد الشاب عماد جيدا ثم ارتدي قفازين طبيين و فعلت هي مثله ثم ناولته مبضعا جراحيا و هي تقول في برود...
(
احمد انا حاسه ان المخدر ده مش قوي كفايه المرادي.... الواد ده جسمه جامد... ممكن يفوق بسرعه...)اجابها الشاب في برود اشد و هو يقترب بمضعه من جسد عماد...
(
خليه يفوق...مش مشكله...المخدر بقي غالي اليومين دول...)لم تعلق واشعلت سيجاره و ابتعدت مستنده الي الحائط و هي تتابع ما يفعله في هدو شديد....وببرود شديد...و مهارة فائقة... بدأ الشاب في فتح جانب عماد الايمن بالمشرط و سالت دمائه القانيه بشده...و في وقت قصير كان الشاب قد انتزع كليته تماما و حملها بحرص شديد ليودعها في ثلاجة ضغيره في حجم الحقيبه....
(
طول عمرك دكتور شاطر...)هز كتفيه بلامبالاه و لم يعلق....كانا يتحركان بسرعه و هما يضعان الثلاجه الصغيره في حقيبه اكبر و ينزعان قفازيهما...عندما ندت عن عماد همهمات متألمه...نظرت الفتاه الي الشاب في غضب...
(
شوفت مش قلتلك مش هاينفع معاه المخدر ده...دا مجالي و انا ادري منك بيه...)القي نظره قلقه صارمه علي عماد الذي بدأ يحرك راسه في اعياء....
(
بسيطه...نديله البنج الابدي....)قبضت علي ذراعه بقوه....
(
لا...لا مفيش وقت ديفيد وصل ...سيبه زي ماهو...يالا بينا....)قالتها و انطلقا يخرجان من الشقه بسرعه و هبطا السلالم عدوا ثم قفزا في سياره حديثه و اختفيا من المكان....حرك عماد رأسه ببطء و هو يشعر بشيء ما...مالبث شعوره ان تزايد بسرعه...فصرخ في الم شديد و وضع يداه علي جانبه فشعر بالدماء الحاره القي نظره مرتعبه علي جانبه ...ثم صرخ بشده ...زادت صرخته من آلامه فتاوه بالم و هو يبكي...حاول ان يتحرك لكن الالم كان يتزايد بسرعه شديده...لم يكن يقوي علي الصراخ ولا البكاد و لا الحركه...ظل ممدا لساعات طويله يتأوه في الم و هو يبكي...و عندما دخل في غيبوبه الموت...وراي شبحه يجثم علي انفاسه شعر بحركة حوله....راي شبحا و كانه يعرفه ...يجلس بجواره علي طرف الفراش ...ينظر اليه نظرة ملتاعه حزينة...صرخ من الرعب رغما عنه...لكن صرخته دفعت الدماد خارج جسده اكثر و اكثر...التقت عيناه و عينا الشبح فتجمدت نظراته ....صرخ الشبح و صرخ...مزقت الصرخات نياط قلبه...ففقد ماتبقي له من قوه ...و سقطت راسه علي الفراش....و في جنازته ...سار امجد و مازن خافضين رؤسهم تعصف بهم الافكار ....و عندما انتهت مراسم الجنازه...تحدث امجد الي مازن في خوف واضح...
(
متوصلتوش لحاجه في التحقيقات...)هز مازن رزسه نايا في حزن....
(
لسه...)نتهد امجد في مزيج من الحزن و الخوف و هو يقول بتوتر بالغ...
(
ايه اللي بيحصل ده...هوا في ايه....)التقت نظراتهما في خوف فخفض مازن راسه .....
(
انا ماشي راجع شرم....انا اعصابي تعبانه جدا...)هز امجد راسه في تفهم و انصرف هو الاخر...قاد مازن سيارته الحديثه بسرعه بطيئة نسبيا و ذهنه شارد تماما...يحدث نفسه مشدوها...لم يكن يدري ماذا يحدث حقا....قتل صديقيه في اقل من اسبوع....تدهورت حالته النفسيه بصوره رهيبه....اصبح خائفا دائما...يتلفت حوله طيله الوقت ....تذكر صراخ الشاب الاخرس خلف القضبان...لاح الحلم المخيف امام عينيه فاغمضهما لثواني و تركت احدي يديه عجله القياده و هو يمسح بها علي وجهه...لكن ما ان فتحت عينيه حتي فوجيء بسياره من سيارات الدفع الرباعي الحديثه تنحرف عن الطريق المعاكس وتتجه ناحيته مباشره ...تجمد من المفاجأه ...حاول ان يدير عجلة القياده بسرعه لكن الاصتدام كان اسرع مما توقع....اصتدمت السياره بباب سيارته الايسر لتسحقه مقدمتها سحقا...لم يشعر بشيء....فقط اصوات متداخله...و ابواق سيارت اسعاف و شرطه...حاول ان يتكلم او يصرخ بلا فائده ....أدرك انه محمولا علي نقاله للإسعف لكنه لم يقوي علي البكاء حتي....شعر بثقل يجثم علي انفاسه و برودة شديده في اطرافه...تسللت الي روحه رائحة رهيبه عرفها ....رائحة الموت....شعر بروحه تخرج ببطيء من جسده و ود لو صرخ الف مره....نظر بعينان اقرب للموت منها الي الحياه الي ذلك الشبح النحيف الذي ينظر اليه في صمت ...ظل ينظر اليه نظره حزينه زادت من الام روحه ....ثم صرخ ...صرخ صرخة رهيبه هزت كيانه كله...اغمض عينيه...و فاضت روحه....تدهورت حالة أمجد النفسيه بعد ذلك الحادث المروع الي ابعد حد...فقد اصدقائه كلهم في اقل من عشرة ايام...اصبح يهزي طوال الوقت...اجبره رؤسائه علي تقديم اجازه مفتوحه و عرض نفسه علي طبيب نفسي....و امتثل اليهم بلا اراده...قبع في بيته ذاهلا...مرعوبا...تراوده الاحلام و الكوابيس طيل الوقت....سائت حالته اكثر و اكثر...امتثل في النهايه الي نصائح اصدقائه و اهله بان يعرض نفسه علي طبيب نفسي....بعد ان تفاقمت حالته كثيرا...و في عيادة الطبيب...شعر بهدؤ نسبي عندما تمدد علي الفراش يطالع الطبيب الشاب الذي كان يتحدث اليه بود و هدؤ...
(
سيد أمجد قبل مانبدأ العلاج لازم تكون صريح معايا...الي اقصي درجه...مهما كان اللي هاتقولهولي اعتبر انه سر مابينا...و مهما كان اللي حصل...احنا بشر...بنغلط و ربنا غفور رحيم...فانا عايزك تحكيلي كل حاجه عشان اقدر اساعدك)اضفي صوت الطبيب العميق و الجو الهادىء في الغرفه راحه نفسيه علي أمجد جعلته يتنهد و يشرد ببصره...
(
انا هاحكيلك...هاحكيلك كل حاجه...)قص امجد القصة كلها بكلمات متقطعه علي الطبيب... و هو يحاول ان يسيطر علي انفعاله...و الطبيب يستمع اليه في هدو شديد دون ان يعلق ...فقط ينظر اليه نظرة خاويه...
(
بس يا دكتور انا حكيتلك كل حاجه بالظبط...لكن دلوقتي...و بعد اللي حصل ده كله...انا بحلم بحلم رهيب...)دمعت عيناه رغما عنه و اختنق صوته....
(
باحلم ...اني نايم علي ظهري مربوط ....و حواليا اشخاص ....كأنـــ....)لم يستطع ان يكمل فبكي بحرقه...هدىء الطبيب من روعه و حثه علي المواصلة...
(
اشخاص حواليا كأنهم ديابه...بيبصولي بصه رهيبه و انيابهم بتلمع في الضلمه ... وبعدين بيجي الشبح ده من بعيد...و يصرخ و يصرخ و يفضل يصرخ لحد ماصحي من النوم و هما بيقطعوا في جسمي....)عادت اليه نوبه البكاء مره اخري...
(
انا تعبت اوي يا دكتور...حياتي بقت جحيم...شوفلي حل ارجوك...)أطرق الطبيب برأسه مفكرا ثم خلع منظاره الطبي ونهض...
(
طيب هدي نفسك يا سيد امجد...انا هاعملك حاجه دافيه تشربها...)قالها ثم استطرد ....
(
معلش هاعملهالك بنفسي اصل الشاب اللي كان شغال عندي تعيش انت....)اومأ امجد براسه متفهما و عاد لشروده مره اخري و ان تحسنت حالته نسبيا...عاد اليه الطبيب مره اخري يحمل كوبا من شراب دافيء تتصاعد منه الابخره...قدمه اليه في هدؤ... و جلس يتأمله و هو يشرب...ارتشف امجد منه رشفات قليله ثم مالبث ان استطيب طعمه فارتشف رشفات كبيره...حاول ان يخرج نفسه من القلق فسأل الطبيب....
(
دا ايه ده يا دكتور ...يانسون...؟)اجابه الطبيب في بساطه...
(
لا ...دا نعناع مخلوط بعقار من عقاقير الهلوسه سريعة المفعول...)اومأ براسه متفهما ثم تراجع بغته عندما استوعب الكلمات...و نظر الي الطبيب بارتياع...
(
عقار هلوسه...يعني ايه...)اجابه الطبيب بصوت بارد لا يخلو من اللامبالاه...
(
عادي عقار هلوسه هايزود الحاله اللي عندك و يخليك تشوف كل اللي انت بتخاف منه كانه حقيقي...)تراجع امجد مصعوقا و القي الكوب ارضا و قد بدأ الدوار يكتنف عقله...
(
يعني ايه...انت ...انت ازاي تعمل كده ...انا هاوديك في داهيه...)وضع الطبيب ساقه فوق الاخري و عقد ساعديه امام صدره بهدو و هو ينظر اليه...
(
بخبرتي كده اقدر اقولك مش هاتلحق ...علي ما اعتقد...)حاول امجد ان ينهض الا انه تعثر فسقط ارضا و قد اكتنف الدوار عقله تماما...
(
انت مين...انت عايز مني ايه...)خيل اليه ان الطبيب يتلوي امامه و يتغير شكله ...و شيئا فشيئا راي امامه رجلا بهيئة ذئب ينظر اليه في شراسه و يتقدم اليه و هو يتحدث بصوت كالفحيح...صرخ امجد صرخة مذعوره....و زحف علي ركبتيه مبتعدا و هو يقاوم الدوار...لكنه فوجيء بذلك المخلوق يقطع عليه الطريق من الجانب الاخر...رقد ارضا وضم قبضتيه الي صدره و هو يرتجف في رعب شديد....و رأي تلك المخلوقات الذئبية تلتف حوله و تقترب منه بانيابها التي تلمع في الظلام و انحبست الصرخات في حلقه و انتفض جسده بشده...و برز له شبح من بين الوحوش يتقدم ناحيته...ينظر اليه نظره حزينه....ثم يصرخ... ويصرخ و يصرخ...سد امجد اذنيه بكفيه و اغمض عينيه و هو ينتفض بشده و يهذي....ظل يهذي و يهذي و يتصبب عرقا لفتره بدت له كالسنين و هو يري الذئاب تقطع جسده و صرخات الشبح تخترق قلبه اختراقا...و لم يستطع قلبه التحمل....شهق بقوه...ثم توقف قلبه بغته...انحبست انفاسه و سقط جثة هامده...نظر اليه زياد بصرامه...عقد حاجبيه بقوه...دمعت عيناه.....تذكر عصام الشاب الاخرس المسكين...شعر بان روحه تحوم حوله...سمع ضحكاته و كلماته المبهمه المرحه....سمع صراخه و احس بكائه وحيدا في زنزانته...رفع عيناه الي السماء...
(
سامحني يا رب....)نظر الي المدينه الصاخبه من النافذه....وتناهي الي مسامعه عواء ذئاب كثيره،،،،،

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق