تحيه ...
الي كل من استشهد فى السويس مقاوما و كل من بقي بها صامدا ... ..
تحيه الى المقاومه اللبنانيه ... .تحيه الى المقاومه الفلسطينيه ... تحيه الى المقاومه العراقيه ... .
تحيه لكل من يقاتل اسرائيل و يثار منها ... .
تحيه الى الشعوب المناضله ... .
***************************************************************************************************************
( مدينه الاشباح )
******************
( وثيقه )
( نحن لسنا جبناء ... لكننا كنا نقاتل اشباحا ... الوضع كان ميؤسا منه صدقنى ... .كانو يظهرون فاجاه و يختفون فاجاه ... .لا اريد احدا لم يكن فى السويس ان يتهمنى بالجبن ... )
* نص رد لاحد الجنود اليهود العائدون من مدينه السويس بعد ان فشلت القوات الاسرائيليه فى احتلالها يوم 24 اكتوبر عندما اتهمه احد الصحفيين و زملائه بالجبن من كتاب المحدال او ( التقصير ) اليهودى الذى يؤرخ للحرب الصفحه الاولي بعد المقدمه
************************************************************
( أدان ... انت امل اسرائيل الان ... .يجب ان تحتل المدينه باسرع وقت ممكن ... لقد خسرنا الكثير بالفعل ... لا نريد أن نخسر اكثر )
تطلع الجنرال ادان بصمت الى جولدا مائير و هي تتحدث بصعوبه و تهجد ... .
( لن يمحو عار تلك الحرب الا احتلال المدينه ... الامريكيين واضحيين بهذا الشان ) ... ..
خبطت بيدها على طاوله الاجتماعات و هي تنظر الى عيني ادان مباشره ... .
( يجب ان يكون لدينا ما نفاوض عليه ... .لقد انسحب شارون من الاسماعيليه و لم يبقي الكثير من الوقت ... . )
لاح على شفتى ادان شبح ابتسامه ساخره حاول ان يخفيها ... .
( لقد طلبنا وقف اطلاق النار وسوف نستغل ذلك فى احتلال السويس بالطبع ... الموقف فى غايه الخطوره ... )
كانت متوتره للغايه و هى تنظر اليه ... .
( لقد قلت لكم مرارا ان فرقه شارون متهوره و لا تتقدم تقدما محسوبا انما هي المغامره فقط ... )
نظرت اليه جولدا مائير بغضب و تحدثت بنفاد صبر ...
( ليس هذا الوقت المناسب للتقريع ... جنرال ادان ) ...
اوما براسه متفهما دون ان تفارقه الابتسامه الساخره ... .
وضعت يدها على كتفه و هي تغمض عينيها بتاثر ... .
( ادان ... انت امل اسرائيل ... .لا تخذلنا ... . )
شعر ادان بالدماء تجرى في عروقه بقوه ... تصور نفسه بعد احتلال السويس ... الاعلام ... .القياده ... الراى العام الاسرائيلي ... الشهره المجد ... .انها فرصه لا تعوض لكي يصعد الى القمه ... .
( لك كل ماتحتاجه ... .لا تراجعنى في شيء ... افعل ماتراه مناسبا ... )
نهض فى هذه اللحظه و شد قامته امامها ... .
احاطت وجهه بكفيها الخشنتين ... .
( انا اثق بك ادان ... اثق بك )
ادى لها ادان التحيه العسكريه ثم دار على عقبيه و انصرف ... .
تنهدت جولدا مائير و القت جسدها على اقرب مقعد و دفنت وجهها بين كفيها ...
( انه كابوس ... كابوس رهيب ... . )
لم يضع ادان وقته ... .كان يعلم دقه الموقف ...
سيطرت عليه احلام المجد و الشهره و هو يدير قرص هاتفه الميداني ...
جائه صوت من الطرف الاخر للهاتف ...
تحدث بكبرياء ...
( صلني بقياده القوات الجويه فورا ... . )
فى مساء اليوم ذاته ... و على طاوله ميدانيه ... كانت خارطه السويس تتوسطها ... .اشار ادان بعصاه الصغيره الى عده نقاط متتاليه فى المدينه و هو يحدث قائد القوات الجويه ...
هذه النقاط ... يجب ان تقصف بقوه و بعنف لمده لا تقل عن سته ساعات يوميا ... ستعاونك المدفعيه فى القصف ... لا تتوقف عن القصف مهما كلف الامر الى ان نتاكد تماما من خلو المدينه من اى عناصر للجيش ... )
اوما الرجل براسه متفهما ولم يعقب ... .
التفت ادان الى قواده الملتفين حول الطاوله ...
( لن نكرر ما فعله شارون هناك فى الاسماعيليه ... .لا استهتار بقوه الخصم ... لا تخاذل ... .هذه ليست نزه خلويه ... انها معركه البقاء لاسرائيل ... .سنلتزم جميعا بخطه الاقتحام ... هل انا واضح فى كلامي؟ )
كان ينظر اليهم بصرامه شديده ... فاومأو برؤسهم متفهمين فى صمت ... .
استدار ادان الى قائد القوات الجويه ...
( اليوم سيبدا وقف اطلاق النار ... .اريدك ان تكون مستعدا و تقصف عند اشارتي ... )
امتعض الرجل من اسلوبه المتغطرس لكنه لم يعلق ... .
استدار ادان الي قواده مره اخرى و حدق فيهم لفتره دون ان يتكلم ثم شد قامته و اشار بعصاه الي مدينه السويس على الخريطه ...
( هنا ... فقط هنا اغير تاريخ اسرائيل كله ... .كونو مستعدين ... )
***************************************************************************************************************
الرابع و العشرون من اكتوبر ... .
السويس ... .
لن تجد مكانا فيها بلا دمار ... .
صنعت القنابل حفرا عميقه فى الارض و فى الحوائط و الطرقات ...
لكن ليس فى نفوس البشر ...
رغم انك قد تسال اين البشر ...
هل يمكن ان يعيش بشرا بعد كل هذا القصف العنيف المتواصل ...
اعتقد ان الاجابه هي ... ( لا ) ... قطعا ...
لكن ...
من قال لك ان من كان هناك يومها كان بشرا؟ ... ..
بعد ثلاثه ايام من القصف المتواصل ... .
تقدم ادان بفرقته الضخمه ليعبر الى السويس ... ..
بمنظاره المكبر القى نظره عليها ... .
ابتسامه ساخره لاحت على شفتيه ...
( انها خاليه يا سيدى )
التفت الى مساعده بهدؤ ...
( اعلم ذلك ... مامن شيء يحيا تحت هذه النيران المتواصله.. )
صمت قليلا و احتسي كأسا من الخمر جرعه دفعه واحده فاحمرت عيناه كالشيطان ...
ثم نظر الى مساعده ... .
( الا اذا كان شبحا ... . )
قالها و انفجر فى الضحك و كذلك فعل مساعده ... .
و استمرت نوبه الضحك طويلا ... .
و عندما هدا ... .
( ديفيد ... ابعث الان برساله الى محافظ السويس ... لا اذكر اسمه ... انه شيئا مثل ... مثل ... بدرى ... بدني ... بدوي ... شيئا من هذا القبيل ... .اامره بتسليم المدينه و الا عرض نفسه و المدينه للقتل و الدمار ... )
صمت قليلا ثم عاد ينفجر ضاحكا مره اخرى و هو يقول ... .
( هذا اذا كان حيا ... . )
عادا للضحك مره اخرى ... .
فى غضون ساعه واحده ...
و فى مكتبه بمبنى المحافظه المهدم ...
دفن بدوي الخولى محافظ السويس وجهه بين كفيه و هو يعيد فى ذهنه قرأ ه الانذار مره اخرى ...
طال صمته كثيرا ... ثم التفت بعد برهه الى مستشاره العسكرى العميد/ عادل اسلام ... .
( ماذا ترى يا سياده العميد؟ )
( لا مجال للرؤيا سياده المحافظ ... المدينه شبه مدمره ... لا بنيه تحتيه ... لاجنود ... مفيش غطاء حتى مدفعي او جوي ... .الدفاع عن السويس دلوقتى انتحار يا فندم ... . )
( يعنى معقوله هانسلم؟ )
( يا فندم المدينه شبه مدمره ... و بعدين اللى بيحصل ده خرق لقرار وقف اطلاق النار و اكيد مش هايستمر ... .مفيش فايده يا فندم ... انا نفسي اقاوم زىى زيك زي كل الناس بس لازم نحكم المنطق ... . )
اومأ المحافظ براسه متفهما ... و هو يتناول فنجان القهوه الذى وضعه امامه رجل طاعن فى السن ... .
( شكرا يا عم احمد ... )
رمقه العجوز بنظره صارمه ولم ينطق ... .
عقد المحافظ حاجبيه ... .
( مالك يا عم احمد؟ )
( مافيش يا بيه ... . )
قالها ثم استدار و انصرف ... .
تبادل الرجلين النظرات الحزينه و خيم الصمت عليهم ... .
( شوفت نظره عم احمد لينا يا سياده العميد ... الراجل مكسور من الحزن مش هاين عليه نسلم البلد )
تنهد العميد عادل فى حزن و حيره ولم يرد ... دفن وجهه بين كفيه مفكرا و طال صمته ... ..
وبعد فتره مرت كالدهر رفع عينيه الى المحافظ ...
( طيب يا فندم يبقى احنا لازم نتصل بشخص مهم جدا هايساعدنا كتير فى الموقف ده )
( مين هو؟ )
( الشيخ حافظ يا فندم امام مسجد الشهداء ... . )
( تفتكر؟ )
( انا متااكد يا فندم ... )
بعد ذلك بدقائق معدوده كان العميد عادل امام الشيخ حافظ فى المسجد ... و باختصار قص عليه القصه كلها و هو يتطلع اليه فى هيبه ...
نظر الشيخ الى عينيه مباشره ولم يتكلم مما دفع الرجل الى الارتباك قليلا ...
( خير يا شيخ ايه رايك ... )
( احنا مش هانسلم السويس يا عادل ... .عايز تستسلم ... استسلم انت على مسؤليتك الشخصيه انت و المحافظ ... . )
بهت الرجل من المفاجاه ...
( يا شيخ حافظ احنا معندناش اللى ندافع بيه عن السويس ... انت يعـ ... .. )
( لو انتو معندكوش احنا عندنا يا سياده العميد ... )
قاطعه بقوه و هو ينظر اليه نظره ملتهبه ... .
ابتلع الرجل كلماته و لم يزد ... .
( ياشيخ حافظ الموضوع مش بالبساطه ديه احنـ ... .. )
نهض الشيخ فاجاه ... .
( انا قولت اللى عندى يا سيد عادل ... .انت حر بعد كده ... . )
تطلع اليه العميد عادل باعجاب رغم دقه الموقف و لم يتمالك نفسه وهو يقول
( وانا معاك يا شيخ ... .مهما هايحصل انا معاك )
لم يكن الشيخ علي درايه فعليه بكيفيه الدفاع عن المدينه لكن شيئا بداخله كان اقوى و اكبر من الاستسلام مهما كلف الامر ... . كان الناس فى المسجد قد تجمهرو متسائلين ... منتظرين لحظه تقرير المصير ... بين الخوف والغضب و القلق يتطلعون الى الرجلين الذي توقف الزمن و التاريخ عندهما ليمعن النظر فى معدن الانسان الذى يسكن هذه الارض ... .
( مش هانسلم يا رجاله ... اللى عايز يسلم يسلم هو ... السويس مش هايخدوها غير فوق جثثنا ... .
كبر الناس و هللو ... .بقوه ... بحماس ...
بخوف وقلق ... .
( الله اكبر ... الله اكبر )
وفى ثقه وانفعال صعد الشيخ الى المأذنه ... فتح مكبر الصوت ... القى نظره طويله على السويس ... .اغروقت عيناه بالدموع ... اندفع الدم حارا فى عروقه ... .. وبكل قوته ... .
( الله اكبر الله اكبر ... حى على الجهاد ... .حى على الجهاد )
وفى شوارع السويس توقفت الحياه فاجاه ... .صمت كل شيء الا صوت الشيخ ... .
التفت الناس الى مسجد الشهداء ... اخترقت الكلمات قلوبهم و ارواحهم ... و تحركو معا ... الرجال..الشباب ... الشيوخ ... النساء ... الاطفال ... ..
حتى هواء السويس العتيق تحرك بقوه ليلفح وجوههم تلك اللفحه الحاره المحببه الى النفس ...
حرك الهوا ء ستائر مكتب المحافظ بقوه و اغروقت عيناه بالدموع و هو يستمع الى الشيخ ... .
التقط سماعه الهاتف بلا شعور ... .
( ادينى الاشاره ... .ايوا ياحمد ... .ابعت اشاره ميدانيه ردا على اشاره العدو ... .. )
اخترق صوت الشيخ قلبه ... .
( هاتقولهم ايه يعنى ايه يا سياده النقيب ... .قلهم فى ستين داهيه يا ولاد الكلب ... .. )
اتاه صوت النقيب من الطرف الاخر فرحا مهللا ... .فاغلق الخط و القى نظره من النافذه على السويس ... .
وفى خيمه الجنرال ادان الميدانيه ... .اعتصر البرقيه بقوه و هو ينظر بغضب الى مساعده ...
( اه ..انه العند اذن ... الا يزال ذلك الغرور المصرى قائم ... . )
( اذن يا سيدى؟؟ )
( لا تضيع وقتا ... ابدا الهجوم على الفور ... لا تتركو فى المدينه شيئا لا تدمروه و اذا وجدتم احياء اسحقوهم ... . )
( نظر فى ساعته ... ثم قال ...
( امامنا 6 ساعات على الاكثر لنصل الى بدايه الطريق بين القاهره و السويس ... . )
انتشى عندما تصور نفسه على مقربه 120 كيلومترا من القاهره ... .
( و اذا لم تردعنا القياده ... . )
نظر الى مساعده فى زهو و شراسه ...
( عندها سارفع علم اسرائيل فوق الاهرامات ... )
وبلا تردد انطلق مساعده ليبدا الهجوم ...
بدا الهجوم..عنيفا شرسا ...
انطلقت القذائف الصاروخيه تدك المدينه قبل الاجتياح بساعتين ...
وتقدمت القوات على ثلاثه محاور ...
لواء العقيد آرييه المدرع يدخل من الشمال و الشمال الغربي و معه كتيبه المظليين و هم خيره افراد القوات الاسرائيليه تسليحا و تدريبا و شراسه ...
و لواء العقيد جابى من الدبابات يتقدم من اتجاه الجنوب و معه كتيبتين مشاه و على ان تلتقى القوتان فى وسط المدينه ... .
تحركت قوات آرييه ببطءو حذر مخترقه المدينه من اتجاه الشمال ...
ما من صوت ... ما من حركه ... .فقط مبانى مهدمه ... طرقات تصفر فيها الرياح ...
وفوق دبابته تلفت العقيد آريه حوله فى هدوء و هو يتحدث فى اللاسلكي ...
( جابى ..جابى ... حول ... .الوضع مطمئن ... لا اثر لحياه هنا ... .المدينه خاويه ... عشره دقائق فقط و نصل الى مركز المدينه ... .حافظ على تاخرك حتى اؤمن لك الطريق ... حول )
و فى اقل من عشره دقائق كانت قوات آريه تتمركز فى وسط السويس ... هدا الجميع بعد ان تاكدو من خلو المدينه ... شكل آرييه -الحذر -عده دوريات تبحث عن احياء فى دائره قطرها ثلاثه كيلومترات فعادت الدوريات بعد ساعه لتؤكد خلو المدينه ..عندها تناول آرييه جهاز اللاسلكى مره اخرى ...
( جابى ... يمكنك ان تتقدم الان ... الطريق آمن ... حدد الوقت المتوقع للوصول ... اذا تاخرت ساعتبر ان هناك خطرا ما ... حول )
كان آرييه حذرا للغايه و دقيقا ايضا ... فهو ليس من النوع الذى ينخدع بسهوله ...
لذلك شيئا ما كان يؤرقه ... .
لقد تلقو اشاره تفيد بان المدينه لن تستسلم ... و ها هو الان يرى مدينه خاليه تماما ... .
هل هرب المصريون حقا ... ام انها خدعه ... .
قاطعه صوت اللا سلكى فالتقطه بسرعه ...
( حسنا جابى انا فى المركز تماما ... هل ترانى؟ ... .نعم بالفعل ... حسنا انا اراك تقدم ... )
اعاد الجهاز الى موضعه و هو يتطلع بقلق الى قوات جابى وهي تتقدم نحوه ... .
لم يهدا حتى استقرت دبابه جابى بجانبه و خرج الاخير من برجها مبتسما ...
( حسنا يا آرييه ... انتهت العمليه ... لقد هربوا كما توقعت ... . )
تلفت آرييه حوله بهدؤ لا يخلو من الحذر ...
( شيئا ما يبعث القلق ..جابى )
( لا يا رجل ... ليس هناك مايبعث القلق ... المدينه خاليه تماما ... لقد هرب المصريون ... هذا ماحدث ...
فلنبعث اشاره الى القياده لنخبـ ... ... )
( ماهذا؟ )
قاطعه آرييه فاجاه و هو يحدق فى شيء بعيد خلف جابى ... .
التفت جابى بسرعه فعقد حاجبيه فى دهشه ...
على بعد اكثر من 200 متر كان طفلا صغيرا يقف بين مبنيين مهدمين ... يتطلع اليهم بهدؤ ... .
و يحمل لعبه صغبره مكسوره ... .حدق الجميع فى الطفل بدهشه لفتره طويله لكن جابى قطع الصمت بضحكه متوتره و هو يقول ... .
( هاااااى ... ماذا بك يا آرييه انه مجرد طفل خائف ... .هل يزعجك فعلا ... التفت اليه آرييه عاقدا حاجبيه و محولا نظره عن الطفل ...
( جابى لقد ارسلت دسته من الاوغاد لفحص المكان و لقد اكدو خلوه ... .ماذا يفعل هذا الطفل هناك اذن؟ )
( آرييه ... ماذا بك يا رجل لعله كان مختفيا هنا او هناك ا, ... .. )
بتر عبارته عنما رفع آرييه حاجبيه فى ذهول ... و هو يتطلع الى مكان الطفل ...
عاد جابى يلتفت بدهشه سرعان ماتحولت الى ذهول ...
لم يكن هناك اثر للطفل ... لقد اختفى ... .
تبادلا النظرات الحائره و علت همهمات الجنود ... .
فرفع آرييه يده بصرامه ...
( انتبااااااااااااااااااااه ... ... فلتتخذو مواقعكم ... و لتتقدم فرقه الاستطلاع لتـ ... .. )بتر عبارته مره اخرى عندما تناههت مسامعهم جميعا الى صوت موسيقي ياتى من بعيد ...
( ماهذا ... )
قالها جابى متوترا..
ارهفو السمع جميعا الى ذلك الصوت الذى ياتى من بعيد
تحدث آرييه ببطىء و هو يغوص حتى منتصف جسده داخل الدبابه ...
( انها السمسميه ... . )
( ال ماذا؟ )
( السمسميه ..انها الموسيقى الشعبيه التى تميز هذه المدينه ... )
( ماذا يعنى هذا ... ؟ )
( يعنى ان احدهم مازال هناك و يستفزنا؟ )
( آرييه ... كفاك تخريفا يا رجل انـ ... .. )
بتر عبارته فاجاه عنما سمع صوت صفيرا مميزا يقترب بسرعه ... حدق فى الافق فاتسعت عيناه بذهول و هو يهتف ... .
( اللعنه انها قذيفه احـ ... . )
لم يكمل عبارته فقد انفجرت دبابته بغته بدوى رهيب هز المنطقه ... .طارت راس جابى من فوق جسده لتدحرج على الارض بين الجنود الذين صرخوا فى رعب شديد ...
و بسرعه غاص آرييه داخل الدبابه و هو يصرخ فى الجنود ...
( اتخذو مواقعكم ... انه كمين ... .. )
اتخذ الجنود المذهولين مواقعهم بسرعه لكن دبابه اخرى انفجرت بقوه مخلفه موجه من النيران والذعر فى الصفوف ... ..ثن انفجرت ثالثه و رابعه و خامسه فى تتابع مخيف ... فصرخ آرييه فى مكبر الصوت ...
( تراجعو ... تراجعو انه فخ ... . )
ضاع صوته بين الانفجارات و بين صوت رصاصات الجنود التى انطلقت عشوائيا فى كل مكان ... .
ظلت الرصاصات تنطلق دون توقف و دون ان تصيب ايه اهداف ...
و بعد فتره توقفت النيران فى حذر و سادت حاله من الرعب بين الجنود ...
كان آرييه قد تراجع بالفعل بدبابته و هو يدير عينيه بتوتر من حوله ... .
و فاجاه خيل للجميع ان الرعد يقصف ...
سمعوا صوتا مدويا و ان لم يميزوه ...
لكن آرييه ميزه فى ذعر ... فهتف فى جنوده بقوه ... .احتمو بالدبابات ... بسرعه ... انه هجوم ... )
وفى اقل من عشره ثوانى من ندائه ... .فوجىء الجنود بعشرات الرجال يعتلون اسطح المبانى المجاوره و هم يصرخون فى آن واحد ... .
( الله أكبر )
و اشتعل الموقف بغته ... .
انهمرت الرصاصات على الجنود بشراسه رهيبه ... ..و من كل صوب ...
حاول بعض الجنود ان يبادلو اطلاق الرصاصات لكن الامر باء بالفشل فقد انهال عليهم مزيجا من الرصاصات و القنابل اليدويه و القذائف الصاروخيه ... .
لم يكن هناك اى مكان للاختباء ... ..
تخبط الجنود فى التراجع و اصتدمو ببعضهم البعض ...
علت صرخاتهم ... و الموت يخطفهم واحد تلو الاخر بسرعه ... .
وفى دبابته وجهه آرييه مدفع الدبابه الى احد المباني التى يطلق الرجال من فوقها النيران ... احكم التسديد ... و قبل ان يهم بالضرب ... .انفجر برج دبابته بغته ... .فاصتدم راسه بجدران الدبابه المعدني وصم اذنيه الصوت وفقد وعيه ... .
بدا الجنود فى الانسحاب بذعر و هم يطلقون النيران بغزاره و تفرقت القوات فى عشوائيه ... .
نجح كثير منهم فى التراجع بالفعل ... و اندفعو من نفس الطريق الذى دخلو منه. و الدبابات تنفجر خلفهم واحده تلو الاخرى ...
و اثناء الانسحاب انتبه معظمهم ان النيران لا توجهه اليهم ...
ادركو الامر بعد فوات الاوان ...
لقد حوصرت فرقه المظليين فقط فى منتصف المدينه ولم يستطع افرادها التراجع و لا حتى التحرك من مكامنهم التى اتخذوها حمايه من النيران المتواصله ... .
وخلف احدى الدبابات المدمره ... التقط النقيب اسحاق جهازه اللاسلكى و صرخ وهو يتصل بالقياده ...
( عمليات ... عمليات ... .النجده ... نحن محاصرين فى قلب المدينه ... لقد انسحبت الدبابات ... هناك خسائر جسيمه ... اكثر من عشرون دبابه ... و عدد كبير من الافراد ... النجده ... . )
... .القى النقيب اسحاق نظره خاطفه على اسطح البنايه المجاوره فراى مايزيد عن عشره رجال يطلقون النار فى غزاره ... .
تراجع محتميا بالدبابه وفتح الجهاز الذى يصله بجنوده من فرقه المظليين مره اخرى ...
( الى جميع الافراد ... هناك قسم للشرطه فى نهايه الشارع ... سوف نحتمى به ... فلنتحرك فرد فرد ... ساحاول انا و فرقتى توفير الحمايه لكم ... . )
اعاد الاتصال بفرقته الخاصه ليشرح لهم الخطه بانفاس متقطعه ...
و عند اشارته خرج اكثر من اربعين جنديا من مخابئهم دفعه واحده و هم يصرخون بشراسه و يطلقون النيران على الرجال المحتميين باسطح المنازل و الذين تراجعو بسرعه ... .
و تحت ذلك الغطاء النارى اندفع عدد كبير من جنود المظلات الى قسم الاربعين المجاور ليحتمون به ... .و عندما تاكد اسحاق من نجاح خطته هم بان يلحق بهم لكن الوقت لم يسعفه فقد فوجىء بالرجال امامه ... .
تراجع اسحاق و هو يطلق النيران بشراسه هو وجنوده لكن الرجال اندفعو اليهم غير مبالين بالموت يطلقون نيرانهم وهم يصرخون ... و تراجع الجنود بسرعه و اضطرب الصف و القى بعضهم سلاحه و اندفع هاربا لكن الرجال كانو قد وصلو اليهم بالفعل ... ثم انقسمو فريقين بسرعه ... فريق تحصن بالدبابات المشتعله و هو يمطر الجنود المختبئين داخل القسم بالنيران والقنابل و فريق انقض على ماتبقي من جنود اسحاق ... .
و لقد قاتل اسحاق وجنوده بقوه ... .
و التحم الرجال معهم بالايدى المجرده بعدما نفذت ذخيره الطرفين ...
استل اسحاق خنجره في شراسه و هو يهتف فى جنوده ...
( تماسكو ... . )
طعن اقرب الرجال اليه وركل اخر فى وجهه لكن يدا قويه باردة كالثلج احاطت بعنقه من الخلف و حملته كالطفل الى اعلى ففقد خنجره و جاهد حتى يلتقط انفاسه بلا جدوى و احمرت عيناه وجحظتا ... ..
تركه صاحب اليد القويه يسقط فاجاه و هو يسعل بقوه ... و استدار اسحاق الذى اكتنف عقله الدوار ليواجه خصمه الشاب ... ..و الذى كان ينظر اليه بصرامه شديده ...
ورغم ذلك فقد بادره اسحاق بالهجوم فانقض عليه موجها اليه ركله و هو يصرخ فى غضب ... تحاشها الشاب بسرعه و قبض على قدمه بقوه ثم حمله ودار حول نفسه دوره واسعه ليسقط فوق جسده سقطه جباره ...
تاوه اسحاق بالم و زاغت الرؤيا امامه ...
لكن الشاب هوى على فكه بلكمه قويه صدمت راسه بالارض فشهق ... ثم فقد الوعى ... .
سحبه الشاب بسرعه الى بنايه مجاوره ليسلمه الى اخر ... ..ثم عاد ليقاتل مره اخرى ...
كان الرجال الاخريين قد قضوا على بقيه جنود اسحاق تماما ...
وفى نفس الوقت كان الجنود المختبئين بالقسم يطلقون نيرانهم بشراسه وغزاره على الرجال الذين احتمو بالدبابات ... ..
صرخ الشاب في الرجال و هو يلتقط مدفعا و يحتمى باحد البنايات ... .
( يارجاله ... حاصروهم ... .من كل اتجاه ... .مجموعه تلف من ورا القسم و تامن المكان بسرعه ... . )
تحرك عدد من الرجال بسرعه لكى يحاصرو القسم من الخلف ... .
استند الشاب بظهره الى المبنى و هو يتاكد من حشو خزانة مدفعه ويختلس النظر بين الحين والاخر الى الجنود المختبئين ... .
( كده حلو اوى ... .خليكم محبوسيين زى الكلاب بقي هنا لحد مانخلص على الباقي ... . )
ثم نهض فاجاه وهتف ... .
( عادل ... رمزى ... .احمد ... .يالا )
تسلل الثلاثه محتميين بالغطاء النيرانى ليلحقو بالشاب ... .
( هاه يارجاله جاهزيين ... . )
( جاهزين يا يوسف ... . )
قالوها ثم تسللو من المنطقه بين البنايات بسرعه ... .
وبعد نصف الساعه تقريبا كانو يعتلون سطح احدى البنايات التى تطل مباشره على تجمع لعدد من دبابات العدو المنسحبه ... .
( سيبهم كده لحد مالييل يليل عليهم ... عشان يكون الخوف اتملك منهم اكتر ... .انت فهمت بقيه الرجاله على كل حاجه يا عادل ... .؟ )
قالها يوسف وهو يراقب الجنود بهدوء ...
اومأ عادل براسه ايجابا و هو يهمس ...
( كلنا جاهزيين يا يوسف ... . )
( عالبركه انشاء الله ... )
... ... .
وفى القياده على اطراف المدينه اعتصر ادان البرقيه القادمه اليه بغضب و هو يصرخ فى مساعده ... .
( ماذا يعنى هذا ... انا لا اصدق ... جابى مات و آرييه فقد ... و فرقتين مدرعتين مدعومتين بكتيبه من اوغاد المظلات عالقين فى المدينه ... . )
صمت ليلتقط انفاسه بغضب ثم عاد يصرخ ...
( ماذا يعنى هذا يا شيمون ... .اجبنى ... )
تنحنح شيمون فى توتر و تلعثم وهو يقول ...
( من الواضح ان المصريين قد ارسلو قوات الى المدينه قبل ان نصل والـ ... . )
( هرااااااااء ... . )
قاطعه ادان صارخا بغضب ... ..
( هراء يا شيمون هراء ... انت تعلم ان الاقمار الصناعيه الامريكيه لم ترصد اى تحرك لقوات داخل المدينه ... .اللعنه ... لقد ظللنا نقصف المدينه ليومين كاملين اى شيطان يعيش بعد هذا القصف ... . )
توقف مره اخرى ليلتقط انفاسه ... .
( اريد ان اعرف من الذى يقاتل هناك ... .يجب ان اعرف ... الان يا شيمون ... . )
قالها غاضبا و ملوحا باصبعه فى وجهه شيمون الذى بدا التوتر على ملامحه ...
( كما تشاء يا جنرال ... كما تشاء ... سنستطلع الامر ... .فقط اهدا ... . )
قالها و اندفع خارجا من خيمه ادان الذى سقط على مقعده و دفن وجهه بين كفيه ... .
حل الليل على المدينه ... .
ما من ضوء ولو خافت ينير الظلام ...
تجمع الجنود الاسرائيليون حول دبابتهم فى توتر و انتصب بعضهم قلقا وراء الحواجز و التحصينات التى اقاموها ...
و بجوار احدى الدبابات تحدث جندى الي زميله هامسا ...
( شلومو ... هل تظن ان المصرييون مازلو هنا؟ )
حدق فيه شلومو بسخط ...
( ماذ1ا تقصد؟ ... من كان يقاتلنا اذن؟ )
تلفت الجندى حوله بخوف ... .
( لا اعرف ولكننى لا اظن ذلك ... . )
( ماذا تعنى داود؟ )
( اعنى انه من الممكن ان يكون ... اقصد ... انه ... . )
تلعثم و لم يكمل ... .فاعاد شلومو السؤال باصرار و سخط ...
( ماذا تقصد داود؟ )
تهدج صوت داود و عاد يتلفت حوله مره اخرى و هو يقترب من شلومو ...
( كم يوما قصفنا تلك المدينه اللعينه ... ؟ )
( يومين ... لماذا؟ )
( ماذا قالت اشارات الاقمار الصناعيه؟ )
قالت انه لا توجد قوات داخل المدينه ... لماذا تسئل تلك الاسئله السخيفه داود؟. )
( حسنا و اذا كان القصف ليومين و الاشارات تؤكد انه لا توجد قوات داخل المدينه ... من كنا نقاتل اذن؟ )
( المقاومه بالطبع ... ماذا تعنى داود؟ ... انت تثير اعصابى بالفعل ... . )
اكمل داود و كانه لم يسمعه ...
( هل رايت كيف انفجرت الدبابات بسرعه و بطريقه مخيفه ... هل شاهدت هؤلاء الرجال الذين حالو بيننا وبين قوات المظليين؟ ... .هل رايت ذلك الشاب الذى حمل اسحاق و القى به ارضا و انت تعرف اسحاق جيدا؟ ... هل تظن ان هذا التنظيم و تلك القدره القتاليه المتقدمه يمكن ان يتوفرا لافراد مدنيين تلقو تدريبا وهميا على القتال؟ ... .لا ياصديقى انا لا اظن ذلك ... .و حتى لو افترضنا ذلك ... الم تؤكد فرق الاستطلاع الخبيره على خلو المدينه قبل الاقتحام ... اذن من هؤلاء ... من اين جائو؟ )
كان يتكلم بسرعه و اندفاع حتى ان توتره انتقل الى شلومو الذى انكمش قليلا و هو يهمس ...
( ماذا تعنى؟ )
تلفت داود حوله مره اخرى و انكمش على نفسه اكثر و هو يقول بصوت مبحوح ...
( انهم ارواح الموتى ... عادو لينتقمو ... )
على الرغم من سذاجه الكلمات الا ان شلومو شعر بقشعريره بارده تسرى فى جسده ... ساعد على ذلك الظلام الدامس الذى خيم على المكان و التوتر المحيط بهم. و تناهت مسامعهم الى اصوات أنين الجرحى الذين خلفوهم ورائهم ...
هم داود بالكلام مره اخرى لكن اطرافه تجمدت عندما تناهى الى مسامعه صوت موسيقى صادرا من بعيد ... .
( استدارا الى مصدر الصوت و كذلك فعل بقيه الجنود و تعالت الهمهمات و ساد التوتر ...
حتى صرخ قائدهم فيهم مطالبهم بالصمت و الهدؤ فهدأت الاصوات على استحياء الا من صوت السمسميه الذى يعزف ... ثم علا صوت رجل يغنى في هدوء و بساطه و يتبع كل مقطع فى اغنيته بصقفه منتظمه متتابعه ...
و اثار ذلك الخوف فى نفوس الجميع ... .و ظهرت علامات الخوف جليه واضحه عليهم و هم يترقبون الموت ياتيهم من اى مكان ...
و على مسافه قريبه منهم داخل احد المبانى المهدمه ... واصل مجموعه من الرجال المسلحين عزفهم على اله وتريه صغيره و هم يغنون و يصفقون بايديهم تلك الصقفه المنتظمه ... .
حمل الهواء صوتهم الى اليهود فارتجفو بشده ... .
اخذت بعده الموسقى تهدا رويدا رويدا
و فاجاه ... .
( الله اكبر..الله اكبر ... حى على الجهاد ... حى على الجهاد )
تردد صدى صوت الآذان فى السويس الصامته و حل كالموت على قلوب الجنود الذين وصل توترهم الى حد بعيد ... .
وفى قسم الاربعين تعالت انفاس الجنود المحتجزين بالداخل و هم يهمسون الى بعضهم البعض فى خوف و توتر ... .يختلسون النظر الى الطريق فى الخارج لعلهم يجدوا من ينقذهم من ذلك المازق ... .
اما يوسف ..وزملائه ... فقد سحبوا اجزاء مدافعهم فى بطىء و هم يتطلعون الى اليهود القابعين اسفل المبنى ... .
تعلقت العيون بيد يوسف المرفوعه و هو يزحف فى بطء شديد الى حافه المبنى ... .
و فاجاه خفض يوسف يده بقوه و هب واقفا و كذلك فعل عشرات المقاتلين على اسطح البنايات المجاوره ...
و انفتحت ابواب الجحيم مره اخرى ... .
صرخ يوسف و هو يمطر الجنود برصاصاته من اعلى المبني و وانهمر من بعده سيلا من الرصاصات الغاضبه على الجنود الذين تدافعو و ردوا باطلاق نار عشوائي و هم يتراجعون ... قفز يوسف من سطح الى سطح و هو يمطرهم بالرصاص و يبدل خزانه مدفعه بسرعه كلما فرغت و من خلفه زملائه ثم انبطح ارضا فاجاه وهو يهتف ...
( عاااادل ... دلوقتى يا عادل ... . )
ما ان قالها حتى اطلق عادل طلقه مضيئه الى السماء لتضيء المنطقه ...
و بمجرد ان سطع الضوء انطلقت العشرات من القذائف الصاروخيه لتدمر الدبابات واحده تلو الاخرى ... و تلاشت صرخات الجنود المحترقين بين الانفجارات المتتابعه و اندفع الجنود بلا هدى فى طرقات المدينه ... و الرعب يطاردهم ... .
وفى نفس الوقت انهالت القنابل اليدويه و الرصاصات على الجنود المحتجزين فى قسم الاربعين و الذين ازدادت شراستهم و هم يبادلون اطلاق النار و القنابل ... و كانهم قد تحولو الى وحوش بفعل الخوف ...
اما يوسف فقد انطلق هو و زملائه من مبنى الى مبنى و من سطح الى سطح يطاردون الجنود الفاريين ...
و فى ممر ضيق ... تابع يوسف خمسه جنود يندفعون و كان الاشباح تطاردهم فى الظلام ... .
قفز يوسف فاجاه من ارتفاع عال فوق احد الجنود و صدم راسه بالارض ... صرخ الجنود الاخرين فى رعب من المفاجاه لكن يوسف لم يمهلهم ... فقد استل خنجره و اندفع الي اقرب الجنود اليه و طعنه بقوه ثم دفعه و جذب اخر اليه ليذبحه ...
رفع الباقيين مدافعهم اليه فى ذعر لكن عادل واحمد و رمزى اطبقو عليهم من الخلف ليتلقى كل منهم رصاصة تودى بحياته ... و فى سرعه انطلقت الفرقه الصغيره لتدخل الى البنايه المجاوره بسرعه ... ومن السطح شاهدو الجنود الاسرائليين ممدين ارضا مابين قتيل و جريح و الرجال يلاحقوهم بشراسه ... و امتزجت صرخات الرعب بصيحات الغضب ... .
( عادل ... الاشاره بسرعه ... بلاش نتقدم اكتر من كده دلوقتى ... . )
قالها يوسف و هو يثبت مدفعه الى كتفه و يحكم التسديد على احد الضباط الاسرائيليين و الذى كان يحاول الصعود الى عربه مدرعه ...
اطلق عادل طلقته المضيئه الى السماء فى نفس الوقت الذى انفجر فيه راس الضابط الاسرائيلي ... .
تراجعت القوات الاسرائيليه بسرعه تحت غطاء كثيف من النيران مخلفه ورائها العشرات من القتلى و الجرحى يصرخون طالبين النجده ... و هم يرون قواتهم تتقهقر غير قادره حتى على انتشالهم من ذلك الجحيم ... .
و بسرعه تقهقر الرجال الى داخل المدينه ليذوبو بين طرقاتها المظلمه كالاشباح ... حاملين معهم عدد كبير من الاسرى ... و فى بنايه مهدمه تبعد كثيرا عن الموقع ... ابتسم يوسف بسخريه و هو يتطلع الى النقيب اسحاق المقيد فى مقعد خشبى فى منتصف حجره بسيطه خاليه من الاثاث تقريبا ...
( اهلا يا بطل ... ايه خايف ولا ايه؟ )
قالها يوسف بسخريه و هو ينظر مباشره الى عينى اسحق ... .
لكن اسحق عقد حاجبيه بشده ولم يرد ...
( مالك يا كابتن ... القطه كلت لسانك ولا ايه ... انا عارف انك بتتكلم عربى احسن منى ... )
تطلع اليه اسحق فى تحدى ... و التقت نظراتهما لفتره طويله قبل ان يقول اسحق فى عجرفه ...
( هاتدفعو تمن اسرى دا غالى اوى ... قواتنا مش هاترحمكم.. )
هز يوسف راسه بتفهم و دار حول اسحاق حتى استقر خلفه ... اقترب بشفتاه من اذنه..و تحدث فى هدؤ ...
( انهى قوات فيهم يا كابتن؟ ... المظليين اللى محبوسين زى الفيران فى قسم الاربعين و لا قواتكم المدرعه اللى هربت قدامنا من شويه ؟ )
زم اسحق شفتيه بغضب و هو ينظر الى بقيه الرجال المحدقين فيه بشماته ... ..
( طبعا سهل انك تتبجح و انا لوحدى بينكم ... لكن لو كنـ ... . )
قاطعه يوسف بهدوء ساخر ...
( ليه بس يا كابتن..ماحنا كنا راجل لراجل ... .ماشوفناش منك يعنى حاجه ... .و رغم كده بسيطه ... )
قالها ثم استل خنجره فى سرعه وحركه ببطء امام رقبته ... .تعلق نظر اسحق بالخنجر فى توتر ... لكنه عقد حاجبيه فى شده عندما هوى يوسف على الحبال التى تقيده بضربات حاسمه و سريعه فقطعها ... و حرره
تبادل الرجال المحيطيين بهم النظرات القلقه و هم ينظرون الى يوسف متسائليين ... .
اما يوسف فقد اشار لهم بيده بهدؤ و هو يقول ...
( معلش يا رجاله خطوه لورا كده عشان النقيب اسحاق ياخد راحته ... . )
تراجع الرجال الى الحائط مفسحين المكان و هم ينظرون الى اسحاق المتوتر ...
عقد يوسف ساعديه فى هدؤ و هو ينظر الى اسحق و يقول بهدؤ لا يخلو من الصرامه ...
( وعد شرف منى يا كابتن لو قتلتنى ... هاتخرج من هنا على رجليك بدون ماحد يلمسك ... . )
نقل اسحاق بصره بين يوسف و بقيه الرجال فى توتر ... ثم حسم قراراه ...
اطلق صيحه قتاليه فاجاه و هو ينقض علي يوسف موجها اليه مجموعه من الضربات المنظمه القويه ...
تحرك يوسف فى سرعه و خفه ليتحاشي الهجوم المفاجا و دار حول اسحق بسرعه ... التفت اسحاق ليواجهه مره اخرى ... ثم قفز فى الهواء مطلقا صرخه قتاليه موجها ركله عنيفه الى يوسف بقدميه معا ... لكن يوسف انبطح ارضا بسرعه ليعبر جسد اسحق من فوقه و يسقط ارضا ...
و ما ان لمس جسده الارض حتى انتفض اسحاق واقفا مره اخرى و هو يتخذ وضع قتالي من جديد ... التقت اعينهم و هم يدوران حول بعضهما فى بطيء لفتره ثم انقض اسحق مره اخرى وموجها الى يوسف عده لكمات متتاليه كلاعبي الملاكمه المحترفين ... لكن يوسف تحاشى جميع الضربات مره اخرى بمرونه فائقه ثم امسك بقبضه اسحق فاجاه و ادار ذراعه كله حول نفسه فشهق اسحق فى الم ... لكن يوسف اتبع ذلك بضربه جباره من راسه وهو مازال ممسكا بيده ... فتاوه اسحق فى الم و حاول ان يوجهه الى يوسف ركله قويه لكن يوسف تحاشاها بسرعه و عاد يضربه براسه بقوه ... .
جائت الضربه هذه المره بين عينيى اسحق تماما ففقد توازنه للحظات ... لكنه دفع يوسف بقوه و هوى على عنقه بضربه قويه اتبعها بركله عنيفه فى معدته فسقط يوسف ارضا ... و بسرعه خطف اسحق خنجر يوسف من على الارض و انقض عليه صارخا ...
( هاقتلك يا مصرى يا كلب ... . )
قبل ان يتم عبارته كان يوسف قد هب واقفا ليتلقى يد اسحق الممسكه بالخنجر بسرعه ثم يوجهه لكمه عنيفه الى معدته ... وشهق اسحق مره اخرى ... .
اتبعها يوسف بركله قويه فى نفس المكان ثم هوى بمرفقه على عنقه و هو يزمجر بغضب فسقط اسحاق على ركبتيه ...
و دون ان يشعر انهال يوسف عليه باللكمات العنيفه التى حولت وجهه الى كتله من الدماء ... كانت قبضته تعلو وتهبط على وجهه اسحاق بقوه رهيبه و تنفجر معها صرخه مدويه فى اعماقه ... .
رائحه العرق الممزوجه بالدم ...
اصوات تطلب الرحمه و هى تصرخ فى لوعه ...
اشلاء تتطاير فى الهواْء و دماء تلطخ وجهه ...
هدير طائرات يصك الاذان و صرخه طفل صغير ...
و لعبه مكسوره تسقط بين الانقاض لتدهسها الحذيه الثقيله فى قسوه ...
ولولا ان امسك به الرجال بصعوبه بالغه لما كان توقف ... .
سقط اسحق مغشيا عليه بينما يوسف يلهث من الغضب و الانفعال ...
( عفارم عليك يا يوسف ... )
ربت احد الرجال على ظهره و قدم له اخر كوبا من الماء و هم يهدئونه ...
و بعد قليل ... .هدات اعصابه ... و استعاد رصانته ... .
( الا قولى يا يوسف يا خويا ... الا صحيح انت ظابط فى الصاعقه؟ )
جرع يوسف كوب الماء دفعه واحده ثم ابتسم الى الرجل و لم يرد ... .
( لا بجد يا يوسف انت ظابط ولا لأ؟ )
مره اخرى ابتسم يوسف و اطرق براسه ولم يرد ... ..
اندفع اخر يساله ... .
( طب انت مش من السويس صح؟ ... انا عمرى ماشوفتك قبل كده ... )
اجابه يوسف بصوت خفيض عميق ...
( انا من مصر يا عادل )
( بص بقي يا يوسف ... الصراحه احنا كلنا كده مستغربين منك )
نظر يوسف اليهم مبتسما ...
( ليه بس يا رجاله )
( يعنى..لما العميد عادل و الشيخ حافظ كانو بيحطو الخطه ماشوفناكش معانا و لما اتقسمنا مجموعات برضه ماشوفناكش و بعدين فاجاه كده لاقيناك دخلت معانا فى العركه و الاغرب انك كنت بتتصرف كده زى ماتكون عارف و فاهم فى الامور العسكريه ديه ... فيه حاجه غريبه ... . )
كان يوسف مطرق الراس مبتسما يستمع في هدوء ... ..
( ابدا يا رمزى انا بس عندى تار مع اليهود ... )
( يا عم ماكلنا عندنا تــــ ... ... )
بتر يوسف عبارته مبتسما و هو يقول ... .
( مش تلحقو تروحو بقى للشيخ حافظ عشان تبلغوه اللى اتفقنا عليه احسن مانقعد نتكلم فى اصلى و فصلى ... . )
هم رمزى بالاعتراض لكنه اطبق شفتيه وهز كتفيه فى حيره و نهض حاملا سلاحه ... .
( انا هافضل هنا مع الكلب ده ... .لو فيه اى حاجه نتبادل الاشارات ... . )
قالها يوسف و هو يعيد تقييد اسحق مره اخرى ... .
انطلقت المجموعه متسلله فى جنح الظلام حتى وصلت الى احد المخابىء تحت الارض ... و بعد لحظات قص الرجال ماحدث على العميد عادل و الشيخ حافظ الذين انصتو فى اهتمام ... .
تكلم العميد عادل..
( يعنى صاحبكم اللى اسمه يوسف ده بيقول ان هما اكيد هايحاولو يحررو فرقه المظلات ... . )
( مش بس كده يا فندم دا كمان معترض على فكره ان احنا نحاول ناسرهم و بيقول ان احنا لازم نفجر القسم ... )
تبادل العميد عادل و الشيخ حافظ النظرات ثم فرد العميد عادل خريطه بدائيه للسويس امامه على الطاوله ...
( على كل حال ... احنا متوقعين الهجوم ... و دلوقتى هافهمكم ايه اللى هانعمله بالظبط )
***********************************************************************************************************
كان صباحا قاتما على كل القوات اليهوديه التى تاهبت من جديد للهجوم ...
ترى الخوف فى عيون الجنود ...
ولسوف تسمع نبضات قوبهم تدوي كالطبول ... .
و مازال صراخ زملائهم ليله امس يمزقهم ... .
رغم ذلك كان القتال شيئا حتميا ...
رفعت الاعلام المغربيه و الجزائريه على الدبابات اليهوديه على سبيل الخداع ... .املا فى ان تنطلى الحيله على المقاومين ...
و ان كانت نظره واحده الي عيون الجنود كافيه بان تدرك انهم لا يقتنعون بذلك ابدا ... .
تقدمت الدبابات بحذر اكبر هذه المره و بدات فى هدم كل مايعترضها من مباني صغيره حتى لا يستغلها المقاومين فى الاختباء
كانت الاوامر واضحه ...
يجب تحرير المظليين المحاصريين فى قسم الاربعين ...
يجب العبور الى الجانب الاحر من المدينه حيث بدايه الطريق الى القاهره ...
مهما كلف ذلك و مهما كان الثمن ... .
و على الجانب الاخر ... تقدم رجل فى منتصف العمر خلت ملامحه من اى آثار للعظمه ... و حلت البساطه النقيه محلها ... تقدم الى العميد عادل ... .
( يا فندم احنا لازم نقفل شارع عرابي لان ده طريقهم الوحيد للعبور ... )
تطلع اليه العميد عادل حائرا ...
( ايوا يا محمود بس ازاى ... الشارع عريض و صعب ان احنا نسده ... )
انا عندى طريقه يا فندم ...
و فى دبابه القياده اليهوديه حدق القائد فى الطريق امامه بذهول ...
فامامه و فى شارع عرابي ... مئات السيارات المعطوبه تسد الطريق تماما ... .
اذيبت بعضها لتشبك الاخريات بقوه الفولاذ ...
( ماهذا بحق الجحيم؟ ) ... ( الشارع مسدود تماما ... .لن نستطيع المرور ... سيتطلب ازاله تلك الحواجــ ... .. )
بتر عبارته و ذاغت عيناه و هو يحدق فى ذلك الجسم الذى يومض بقوه و هو يقترب منه بسرعه خارقه ... .
( اللعنه )
طار برج دبابته و انسحق جسده بين البرج و القاعده ...
و انفجرت الدبابه المجاوره له ثم انهالت القذائف بغته على رتل الدبابات اليائس الذى اطلق كل قذائفه بسخاء شديد ولكن دون جدوى ... .
وفي دقائق معدوده ... تدمر عدد كبير من الدبابت و اندفعت البقيه فاره فى كل اتجاه بدون تنظيم ...
وضجت السماء بصيحات قتاليه رهيبه صكت اذان اليهود الذين تراجعو فى رعب و هم يطلقون نيرانهم فى سخاء ...
و فى احد الازقه انحرفت دبابه على غير هدى و قد اصاب سائقها الجنون و هو يحاول الفلات من من عده رجال يطاردونه ...
هنا فقط فى تلك البقعه من العالم ... تفر الماكينه الرهيبه المصنعه من الفولاذ و المسلحه بكل ماهو مدمر ..من مجموعه صغيره من البشر الذين تجرى فى دمائهم حراره الجحيم نفسه ...
و انحرفت الدبابه فى شارع اخر ثم استدارت لتواجه الخصوم الذين دارو حولها بسرعه خاطفه فلم تظفر بهم ... فواصلت اندفاعها ... .
وفوق احد الاسطح القريبه ... تنقل يوسف بخفه و هو يراقب الدبابه فى هدوء و يتمتم ...
( تعالى هنا..تعالى ... متحرمنيش من الفرصه دى )
و كأن قائد الدبابه سمعه فاستدار بسرعه محاولا الهروب لينحرف الى ذلك الشارع الجانبى الذى تتوسطه بنايه صغيره يقف على سطحها يوسف متحفزا ...
و مان اصتدم مدفعها باحد الجدران حتى قفز يوسف بجراه ليستقر فوقها ...
وشعر الجنود بداخلها بذلك ... ففتح احدهم الكوه بسرعه و هو يطلق نيران مدفعه بغزاره لكن يوسف ابتعد عن اتجاه النيران بسرعه و خفه و هو يبتسم و يدور حول الكوه ...
تمهل لثوانى ثم اقترب من الكوه بحذر ... فتحها بغته و القى داخلها بقنبله من الدخان و اقفز مبتعدا فى سرعه ... و ماهى الا ثوان حتى خرج الطاقم باكمله و هم يسعلون فى قوه و يلوحون بايديهم فى كل اتجاه ...
لكن الرحمه فى تلك الظروف ... قد لا تجد سبيلا الى قلوب البشر ...
و فى سرعه سحب يوسف اقرب الجنود اليه و عاجله بطعنه فى قلبه فشهق بقوه و خر صرعا..ثم استدار الى الجنود الثلاثه الباقيين و الذين تراجعو امامه برعب شديد و هم يلوحون بايديهم طالبين الرحمه و السعال يقطع اوصالهم ...
كان الدخان كثيفا حقا ...
لم يتبين احدهم من اين ياتيه الموت ...
فقط يصرخ عندما يخترق الخنجر جسده و يسقط صريعا ...
و فى ثوانى ... انتهى كل شيء ... .
سقط الجنود الاربعه صرعى و هم يئنون و يشهقون ...
و وقف يوسف يتاملهم معقود الحاجبين مشدود الجسد ...
و على سطح قريب تبادل عادل و رمزي النظران فى توجس و هم يشاهدون مايفعله يوسف ...
( انا مش فاهم هوا ليه مضربهمش بالنار ... ليه دايما بيحب يستخدم السونكي ... )
هم عادل بان يجيبه لكنه اطبق شفتيه فى صمت و استدار ...
( يالا نحصله ... )
على صوته وهو ينادى على يوسف ...
( يووووسسسف ... .احنا نازلين استنى )
لم يبد ان يوسف قد سمعه حتى ... فلم يترك الخنجر المبلل بالدماء ... لم يغير وقفته ... و لا تلك النظره التى فى عينيه ...
كان الدخان مازال كثيفا ... و لم تكن الرؤيا واضحه تماما ...
شق الصديقين طرقهما بين الجنود الصرعى الى حيث يقف يوسف ...
لكن الدهشه اعترتهم عندما و جدو مكانه خاليا ...
تراجعا للخلف قليلا ليبتعدا عن الدخان ...
ثم تبادلا النظرات الحائره ...
( هوا راح فين ده؟ )
( مش عارف مش كان لسه هنا؟ )
( يمكن مشى ... )
( غريبه ... )
على كل حال يلا نلحق الرجاله عند قسم الاربعين ... )
كانت القوات الاسرائيليه المقتحمه لشارع عرابى قد تدمرت تماما حتى ان الشارع قد تحول الى محرقه للدبابات و الجنود و خلا الشارع من المقاومين الذين اندفعوا ليلحقوا باخوانهم امام قسم الاربعين ...
لم يبقي في الشارع غير الجرحى يئنون فى الم و رعب و هم ينذفون دمائهم ... .
وامام قسم الاربعين بلغت المعركه شدتها ...
تساقط الرجال من المقاومين فى كثره و تساقط اليهود ايضا و انفجرت دبابتهم و مدرعاتهم و هم يحاولون باستماته الاقتراب من القسم ... .
اندفعت القذائف الصاروخيه فى جنون .. تقاطعت الرصاصات ... ارتفعت الصرخات الى السماء ...
كانت معركه البقاء ...
و كان الجنود المحتجزون فى الداخل يطلقون رصاصتهم فى سخاء ...
و خلف احد الحواجز القى عادل و رمزى جسديهما محتميين من النيران ... و هم يزحفون بسرعه ليتخذو مواقع قتاليه ...
استقرا بجانب الرجال و فتحا نيران مدافعهم فى سخاء ...
و بصوت اقرب الى الصراخ ...
( انتو مافجرتوش القسم ليه يا دفعه؟ )
( ملحقناش يا استاذ اليهود سبقونا و حاصرو المكان ... . )
( و العمل؟ )
( العمل عمل ربنا ... . فيه واحد من الصاعقه علي ما اظن بيحاول يزرع متفجرات قرب القسم )
هم عادل بان يضيف لكن عيناه اتسعتا فى ذهول و توقف عن اطلاق النار و هو يحدق في ذلك الشاب الذى كان ينطلق وسط النيران كالبرق و هو يراوغ يمينا و يسارا و يقفز فوق دبابه ثم يتدحرج ... .
وصرخ رغما عنه ...
( رمزى ... رمزي ... الحق ... )
قالها و اشار الى الشاب الذى كان قد اقترب خلسه من القسم ...
اتسعت عينا رمزى بذهول بدوره و هو يحدق في يوسف الذى كان يزحف ملتصقا بجدار القسم و محتميا باحد الدبابات ... .
تبادلا النظرات فى ذهول فقد قطعا الطريق بين شارع عرابي و قسم الاربعين فى ربع ساعه تقريبا ... اى ان يوسف سبقهم الى هنا منذ زمن ...
و لكن ذهولهم تحول الى صدمه عندما هتف الجندى المجاور لهم و الذى يطلق النيران فى سخاء ...
( يالا يارجاله اجمدو ... لازم نامن المكان للراجل ده ... بقاله ساعه بيحاول يقرب من القسم ... و اخيرا وصل ... )
لم ينتزعهما من الذهول الى تلك القذيفه التى هوت على مقربه منهم و شعرا بلفح حراره الانفجار الرهيب ...
بعدها هب الجندى المجاور لهما فاجاه و اندفع من مخباه حاملا قاذف الصواريخ ... غير مبالى بالنيران المنهمره كالمطر و هو يقتر بمن دبابه ادرات مدفعها الى يوسف الذى انهمك فى تثبيت كميه من المتفجرات غير عابئ بها ...
و قبل ان يصل الىها ارتجف جسده بقوه بعد ان اخترقته الرصاصات ...
سقط ...
و قبل ان يلامس جسده الارض كان رمزى قد اختطف منه قاذف الصواريخ و هو ينطلق الى الدبابه فى اصرار و عادل خلفه يطلق النيران على الجنود وجها لوجه و قد ندت عنه صرخه جباره ...
و توقف رمزى بعد ان اقترب كثيرا و بسرعه هبط على ركبتيه و سدد قذيفه محكمه الى الدبابه التى انفجرت قبل ان تطلق قذيفتها بثوان ...
و بسرعه انتهى يوسف من تثبيت المتفجرات و انطلق الى الجهه الاخرى من القسم ليتم مهمته ... لكنه كان قد اقترب كثيرا من الجنود الذين ادارو فوهات مدافعهم اليه فى شراسه و امطروه بالرصاص ...
القي يوسف جسده ارضا و تدحرج بسرعه و مهاره متفاديا رصاصتهم و ما ان اعتدل حتى قذف قنبله يدويه باتجاههم فتفرقوا فى ذعر لكن الانفجار كان اسرع ...
و قبل ان يتحرك بقيه زملائهم لمنع يوسف اندفع عشرات الرجال من مكامنهم يطلقون صرخات قتاليه و ينقضون عليهم بجساره شديده ...
حتى التراجع لم يكن حلا ...
فمن الخلف اطبقت مجموعه اخرى من الرجال عليهم يمطرونهم بكل شيء ...
فالقى الكثير منهم سلاحه و انبطحو ارضا رافعين ايديهم بالاستسلام ...
اما يوسف الذى انتهى من تثبيت بقيه المتفجرات فاندفع مبتعدا بسرعه عن القسم و هو يشير للرجال بالتراجع و صرخات رجال المظليين المحتجزين داخل القسم تعلو في هيستريا..
و انفجر القسم ...
انفجر و بداخله عدد كبير من رجال المظليين ... الذين ضاعت صرخاتهم بين اصوات الانفجارات و بين انين زملائهم الجرحى ...
و تراجع ماتبقي من القوات منسحبا بلا نظام ...
يتخطفهم الموت من كل اتجاه و يسقطون ارضا طالبين الرحمه ... .
ثلاثه و سبعين دبابه و مدرعه تدمرت فى يومين ...
خمسمائه قتيل ...
عشرات الاسرى و المفقودين ...
انحصرت القوات المتبقيه عند مدخل المدينه ... منكمشه ... مرتعبه ... تتراقص اشباح الموت امامها فى كل لحظه ... ينظرون الي زملائهم الجرحي الممدين علي بعد امتار و لا يجسر احدهم ان يقترب منهم ... .
و تراجع المقاومين و اختفوا فى طيات المدينه العتيه ... و قد اسروا عددا كبيرا من الجنود الاشداء ...
و سقط عادل منهكا مستندا بظهره الى الحائط و هو يلهث ...
و تمدد بجانبه رمزى و عشرات الرجال ...
تعلو وجووهم فرحه و طمانينه ...
و بعد ان استراحو قليلا ... اعتدل رمزى من رقدته و اسند ظهره على الحائط بجوار صديقه..
( انت شفته صح؟ )
( طبعا شفته هي دى عايزه كلام؟ )
( بس ازاى ... داحنا سايبينه عند الدبابه ؟ )
( مش عارف يا رمزى مش عارف )
( و انت شفت العسكرى- الله يرحمه- اللى كان جمبك بيقول انه هنا من ساعه؟ )
( و الله يا صاحبى الله اعلم )
لم ترضى تلك الاجابه رمزى فزحف الى اقرب الرجال اليه ...
( بقولك ايه يا استاذ ... شفت الشاب اللى فجر القسم..؟ )
( ابتسم الرجل فى انهاك وهو يقول
( طبعا هوا ده يتنسى )
( هوا كان موجود معاكو من امتي ... )
( مش متاكد بس هوا كان بيحاول من اكتر من ساعه انه يقرب من القسم عشان يزرع المتفجرات )
انت تعرفه يا استاذ؟ )
( لا والله يا بني انا اول مره اشوفه ... شكله كده مش من السويس ... )
تراجع رمزى فى حيره الى جوار صديقه و هم بان يعقب لكن بصره تعلق بالشخص القادم اليه مبتسما ...
حدق الشابين فى يوسف المنهك الذى جلس بجوارهما و اسند ظهره الى الحائط و اغمض عيناه فى رضا و هو يقول ...
( الحمد لله الحمد لله ... حمد الله على سلماتكم يا ابطال ... )
لم يردا رغما عنهما و هم ينظرون اليه فى عجب ...
فتح عينيه مبتسما ثم قطب حاجبيه مداعبا ...
( ايه يا رجاله بتبحلقو فيا كدا ليه )
( انت مش كنت معانا فى شارع عرابي؟ )
ابتسم يوسف بهدوء و هو يقول ...
( اه طبعا )
( امال ازاى جينا لاقيناك هنا؟ )
( خدت تاكسي )
قالها ثم ضحك ضحكة مرحه صافيه ...
( يوسف متهزرش انا بتكلم بجد )
( ايه بس يا ابو عادل حلمك عليا ... )
( بجد يا يوسف انت مش كنـ ... )
بتر عبارته عندما علا صوت المؤذن ... يؤذن للصلاه
فوضع يوسف سبابته امام شفتيه و قطب جبينه فى مرح و هو يهمس ...
( هسسس ... المغرب ... )
انتهى الاذان واصطف الرجال للصلاه ...
حقا انها لصلاه مليئه بالخشوع تلك التى تكون بعد معركه كهذه ...
انهى الجميع الصلاه و كانت الشمس قد بدات في الرحيل ...
بحث عادل عن يوسف بتوتر شديد فلم يتبين له اثر ...
شيئا ما دفعه الى هذا البحث ...
تقدم من احد الظباط الذى كان يختم صلاته ...
( حرما يا فندم )
صافحه الظابط بحراره ..
( جمعا يا بطل )
( يافندم سؤال بس معلش ... )
( انت شوفت الشاب اللى فجر القسم؟ )
( اه طبعا )
( تعرفه؟ )
( لا معرفوش بس هوا شكله مش غريب عليا )
وانهى عادل الحوار معه مبتسما ... وانتقل الى اخر و قد انضم اليه رمزي ...
حتى قابل ذلك الرجل ...
كهل اشيب وقور ... ملامحه مالوفه ...
ساله عادل السؤال ذاته بفتور فصمت الرجل و شرد..
تبادل عادل و رمزى النظرات ...
( ايوه اعرفه ... )
ظهرت اللهفه على وجووهم وهم عادل بان يعقب لولا ان تكلم الرجل ...
( دا ابني ... )
لم يدرى عادل لماذا صدمته الاجابه ...
بالطبع يوسف ابن احدا ما ...
لكنه صدم ...
( ربنا يباركلك فيه يا حاج دا انسـ ... ... )
تنهد الرجل مقاطعا كلامه ودمعت عيناه ...
( الله يرحمه ... )
فغر عادل فاه مصعوقا وسرت قشعريره بارده فى جسد رمزي و بصعوبه تحدث ...
( الله يرحم الحى و الميت يا حج ... دا كان لسه قاعد معانا من شويه ... )
ابتسم الرجل ابتسامه باهته و نظر اليه بحنان وقد تكاثرت الدموع فى مقلتيه ...
( ماهو كان من دورك يا بني كده ... الله يرحمه ... )
حدق الشابين فى بعضهما البعض بذهول و تلعثمت الكلمات على شفتيهما ...
( يا حاج يو..يو ... يوسف اللى فج ... جر القسم ... دا لسه شايفينه و هو بيتوضا عشان يصلي ... )
ابتسم الرجل من بين دموعه و نهض مودعا و هويقول ...
( عمره مافوت فرض ابدا ... الله يرحمه يارب ... )
مضي الرجل و تركهما فى ذهولهما ...
مضت دقائق من الصمت الثقيل بينهما حتى قال رمزى ...
( عادى عادى ... الحاجات دى بتحصل كتير ... واحد ابنه مات ... شاف يوسف ... عجبته شجاعته ... تصور انه ابنه ... )
قالها بتردد لكن شيئا بداخله لم يصدق هذا و كذلك عادل ...
و بعد فتره بدا الجميع فى الانسحاب ... الى مخابئهم ... مخلفين ارض المعركه ورائهم ...
كان الغروب قد تلاشى تقريبا مخلفا ورائه سماء لا تكاد تميز فيها الحمره ...
ضوء خافت بعيد يحدد جبل عتاقه القريب ...
و يلقي على المدينه ظلال مهيبه ...
وقبل ان يتوارى الجميع فى مخابئهم ... دوى ذلك الصوت ...
( الله اكبر ... الله اكبر ... الله اكبر ... )
توقف الجميع مشدوهين واستدارو الى مصدر الصوت العميق الذى تردد صداه فى المدينه الخاويه و وقع كالموت على اليهود المنكمشين ...
كان الضؤ ياتى من خلفه خافتا ..مشربا بحمره الغروب ...
لا يكاد يحدد ملامح جسده الممشوق ...
هناك ...
فوق احد المبانى المهدمه ... وقف شابا يحمل علما و مدفع ...
يرفعهما و هو يردد التكبير مرارا و تكرارا بصوت عميق رخيم كانه قادم من بئر سحيقه ...
سرت موجه من النشوه و الدموع بين الرجال ... يتطلعون دامعين صامتين الى ذلك الذى يرفع العلم و يهتف بقوه و ثبات ...
و التفت رمزى رغما عنه الى الكهل الذى كان يبكى و يجاوره ...
فوجده قد اجهش بالبكاء وهو يتمتم ...
( الله يرحمك يابنى ... الله يرحمك ... )
لم يدرى عادل لماذا دمعت عيناه و احتضن الكهل بقوه ثم اجهش بالبكاء و هو ينظر الى ذلك الشاب الرافع للعلم ... ظل ينظر اليه حتى ذاب فى الظلام ... كانه لم يكن هناك ابدا ... .
اندحرت القوات الاسرائيليه ...
لم تتمكن من احتلال السويس بعد ان تكبدت خسائر فادحه ...
عاد من عاد من اليهود من السويس مذعورا مرتعبا و دخل الكثير منهم مصحات نفسيه ...
وجد العقيد آرييه مختبا فى احد البنايات وتم اسره ...
فقد العقيد جابى راسه فى بدايه المعركه ...
عاد الجنرال ادان بخفى حنين من معركه السويس ليلحق بزميله الفاشل شارون ... و ليحكى لجولدا مائير كلاما مخيفا عن تلك المدينه التي ذاق فيها جنوده الخوف و الرعب ... .
مدينه الاشباح ...
بسم الله الرحمن الرحيم
( ولاتحسبن الذين قتلو فى سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون )
صدق الله العظيم
***********************************************************************************************************
*معظم احداث القصه حقيقيه
الي كل من استشهد فى السويس مقاوما و كل من بقي بها صامدا ... ..
تحيه الى المقاومه اللبنانيه ... .تحيه الى المقاومه الفلسطينيه ... تحيه الى المقاومه العراقيه ... .
تحيه لكل من يقاتل اسرائيل و يثار منها ... .
تحيه الى الشعوب المناضله ... .
***************************************************************************************************************
( مدينه الاشباح )
******************
( وثيقه )
( نحن لسنا جبناء ... لكننا كنا نقاتل اشباحا ... الوضع كان ميؤسا منه صدقنى ... .كانو يظهرون فاجاه و يختفون فاجاه ... .لا اريد احدا لم يكن فى السويس ان يتهمنى بالجبن ... )
* نص رد لاحد الجنود اليهود العائدون من مدينه السويس بعد ان فشلت القوات الاسرائيليه فى احتلالها يوم 24 اكتوبر عندما اتهمه احد الصحفيين و زملائه بالجبن من كتاب المحدال او ( التقصير ) اليهودى الذى يؤرخ للحرب الصفحه الاولي بعد المقدمه
************************************************************
( أدان ... انت امل اسرائيل الان ... .يجب ان تحتل المدينه باسرع وقت ممكن ... لقد خسرنا الكثير بالفعل ... لا نريد أن نخسر اكثر )
تطلع الجنرال ادان بصمت الى جولدا مائير و هي تتحدث بصعوبه و تهجد ... .
( لن يمحو عار تلك الحرب الا احتلال المدينه ... الامريكيين واضحيين بهذا الشان ) ... ..
خبطت بيدها على طاوله الاجتماعات و هي تنظر الى عيني ادان مباشره ... .
( يجب ان يكون لدينا ما نفاوض عليه ... .لقد انسحب شارون من الاسماعيليه و لم يبقي الكثير من الوقت ... . )
لاح على شفتى ادان شبح ابتسامه ساخره حاول ان يخفيها ... .
( لقد طلبنا وقف اطلاق النار وسوف نستغل ذلك فى احتلال السويس بالطبع ... الموقف فى غايه الخطوره ... )
كانت متوتره للغايه و هى تنظر اليه ... .
( لقد قلت لكم مرارا ان فرقه شارون متهوره و لا تتقدم تقدما محسوبا انما هي المغامره فقط ... )
نظرت اليه جولدا مائير بغضب و تحدثت بنفاد صبر ...
( ليس هذا الوقت المناسب للتقريع ... جنرال ادان ) ...
اوما براسه متفهما دون ان تفارقه الابتسامه الساخره ... .
وضعت يدها على كتفه و هي تغمض عينيها بتاثر ... .
( ادان ... انت امل اسرائيل ... .لا تخذلنا ... . )
شعر ادان بالدماء تجرى في عروقه بقوه ... تصور نفسه بعد احتلال السويس ... الاعلام ... .القياده ... الراى العام الاسرائيلي ... الشهره المجد ... .انها فرصه لا تعوض لكي يصعد الى القمه ... .
( لك كل ماتحتاجه ... .لا تراجعنى في شيء ... افعل ماتراه مناسبا ... )
نهض فى هذه اللحظه و شد قامته امامها ... .
احاطت وجهه بكفيها الخشنتين ... .
( انا اثق بك ادان ... اثق بك )
ادى لها ادان التحيه العسكريه ثم دار على عقبيه و انصرف ... .
تنهدت جولدا مائير و القت جسدها على اقرب مقعد و دفنت وجهها بين كفيها ...
( انه كابوس ... كابوس رهيب ... . )
لم يضع ادان وقته ... .كان يعلم دقه الموقف ...
سيطرت عليه احلام المجد و الشهره و هو يدير قرص هاتفه الميداني ...
جائه صوت من الطرف الاخر للهاتف ...
تحدث بكبرياء ...
( صلني بقياده القوات الجويه فورا ... . )
فى مساء اليوم ذاته ... و على طاوله ميدانيه ... كانت خارطه السويس تتوسطها ... .اشار ادان بعصاه الصغيره الى عده نقاط متتاليه فى المدينه و هو يحدث قائد القوات الجويه ...
هذه النقاط ... يجب ان تقصف بقوه و بعنف لمده لا تقل عن سته ساعات يوميا ... ستعاونك المدفعيه فى القصف ... لا تتوقف عن القصف مهما كلف الامر الى ان نتاكد تماما من خلو المدينه من اى عناصر للجيش ... )
اوما الرجل براسه متفهما ولم يعقب ... .
التفت ادان الى قواده الملتفين حول الطاوله ...
( لن نكرر ما فعله شارون هناك فى الاسماعيليه ... .لا استهتار بقوه الخصم ... لا تخاذل ... .هذه ليست نزه خلويه ... انها معركه البقاء لاسرائيل ... .سنلتزم جميعا بخطه الاقتحام ... هل انا واضح فى كلامي؟ )
كان ينظر اليهم بصرامه شديده ... فاومأو برؤسهم متفهمين فى صمت ... .
استدار ادان الى قائد القوات الجويه ...
( اليوم سيبدا وقف اطلاق النار ... .اريدك ان تكون مستعدا و تقصف عند اشارتي ... )
امتعض الرجل من اسلوبه المتغطرس لكنه لم يعلق ... .
استدار ادان الي قواده مره اخرى و حدق فيهم لفتره دون ان يتكلم ثم شد قامته و اشار بعصاه الي مدينه السويس على الخريطه ...
( هنا ... فقط هنا اغير تاريخ اسرائيل كله ... .كونو مستعدين ... )
***************************************************************************************************************
الرابع و العشرون من اكتوبر ... .
السويس ... .
لن تجد مكانا فيها بلا دمار ... .
صنعت القنابل حفرا عميقه فى الارض و فى الحوائط و الطرقات ...
لكن ليس فى نفوس البشر ...
رغم انك قد تسال اين البشر ...
هل يمكن ان يعيش بشرا بعد كل هذا القصف العنيف المتواصل ...
اعتقد ان الاجابه هي ... ( لا ) ... قطعا ...
لكن ...
من قال لك ان من كان هناك يومها كان بشرا؟ ... ..
بعد ثلاثه ايام من القصف المتواصل ... .
تقدم ادان بفرقته الضخمه ليعبر الى السويس ... ..
بمنظاره المكبر القى نظره عليها ... .
ابتسامه ساخره لاحت على شفتيه ...
( انها خاليه يا سيدى )
التفت الى مساعده بهدؤ ...
( اعلم ذلك ... مامن شيء يحيا تحت هذه النيران المتواصله.. )
صمت قليلا و احتسي كأسا من الخمر جرعه دفعه واحده فاحمرت عيناه كالشيطان ...
ثم نظر الى مساعده ... .
( الا اذا كان شبحا ... . )
قالها و انفجر فى الضحك و كذلك فعل مساعده ... .
و استمرت نوبه الضحك طويلا ... .
و عندما هدا ... .
( ديفيد ... ابعث الان برساله الى محافظ السويس ... لا اذكر اسمه ... انه شيئا مثل ... مثل ... بدرى ... بدني ... بدوي ... شيئا من هذا القبيل ... .اامره بتسليم المدينه و الا عرض نفسه و المدينه للقتل و الدمار ... )
صمت قليلا ثم عاد ينفجر ضاحكا مره اخرى و هو يقول ... .
( هذا اذا كان حيا ... . )
عادا للضحك مره اخرى ... .
فى غضون ساعه واحده ...
و فى مكتبه بمبنى المحافظه المهدم ...
دفن بدوي الخولى محافظ السويس وجهه بين كفيه و هو يعيد فى ذهنه قرأ ه الانذار مره اخرى ...
طال صمته كثيرا ... ثم التفت بعد برهه الى مستشاره العسكرى العميد/ عادل اسلام ... .
( ماذا ترى يا سياده العميد؟ )
( لا مجال للرؤيا سياده المحافظ ... المدينه شبه مدمره ... لا بنيه تحتيه ... لاجنود ... مفيش غطاء حتى مدفعي او جوي ... .الدفاع عن السويس دلوقتى انتحار يا فندم ... . )
( يعنى معقوله هانسلم؟ )
( يا فندم المدينه شبه مدمره ... و بعدين اللى بيحصل ده خرق لقرار وقف اطلاق النار و اكيد مش هايستمر ... .مفيش فايده يا فندم ... انا نفسي اقاوم زىى زيك زي كل الناس بس لازم نحكم المنطق ... . )
اومأ المحافظ براسه متفهما ... و هو يتناول فنجان القهوه الذى وضعه امامه رجل طاعن فى السن ... .
( شكرا يا عم احمد ... )
رمقه العجوز بنظره صارمه ولم ينطق ... .
عقد المحافظ حاجبيه ... .
( مالك يا عم احمد؟ )
( مافيش يا بيه ... . )
قالها ثم استدار و انصرف ... .
تبادل الرجلين النظرات الحزينه و خيم الصمت عليهم ... .
( شوفت نظره عم احمد لينا يا سياده العميد ... الراجل مكسور من الحزن مش هاين عليه نسلم البلد )
تنهد العميد عادل فى حزن و حيره ولم يرد ... دفن وجهه بين كفيه مفكرا و طال صمته ... ..
وبعد فتره مرت كالدهر رفع عينيه الى المحافظ ...
( طيب يا فندم يبقى احنا لازم نتصل بشخص مهم جدا هايساعدنا كتير فى الموقف ده )
( مين هو؟ )
( الشيخ حافظ يا فندم امام مسجد الشهداء ... . )
( تفتكر؟ )
( انا متااكد يا فندم ... )
بعد ذلك بدقائق معدوده كان العميد عادل امام الشيخ حافظ فى المسجد ... و باختصار قص عليه القصه كلها و هو يتطلع اليه فى هيبه ...
نظر الشيخ الى عينيه مباشره ولم يتكلم مما دفع الرجل الى الارتباك قليلا ...
( خير يا شيخ ايه رايك ... )
( احنا مش هانسلم السويس يا عادل ... .عايز تستسلم ... استسلم انت على مسؤليتك الشخصيه انت و المحافظ ... . )
بهت الرجل من المفاجاه ...
( يا شيخ حافظ احنا معندناش اللى ندافع بيه عن السويس ... انت يعـ ... .. )
( لو انتو معندكوش احنا عندنا يا سياده العميد ... )
قاطعه بقوه و هو ينظر اليه نظره ملتهبه ... .
ابتلع الرجل كلماته و لم يزد ... .
( ياشيخ حافظ الموضوع مش بالبساطه ديه احنـ ... .. )
نهض الشيخ فاجاه ... .
( انا قولت اللى عندى يا سيد عادل ... .انت حر بعد كده ... . )
تطلع اليه العميد عادل باعجاب رغم دقه الموقف و لم يتمالك نفسه وهو يقول
( وانا معاك يا شيخ ... .مهما هايحصل انا معاك )
لم يكن الشيخ علي درايه فعليه بكيفيه الدفاع عن المدينه لكن شيئا بداخله كان اقوى و اكبر من الاستسلام مهما كلف الامر ... . كان الناس فى المسجد قد تجمهرو متسائلين ... منتظرين لحظه تقرير المصير ... بين الخوف والغضب و القلق يتطلعون الى الرجلين الذي توقف الزمن و التاريخ عندهما ليمعن النظر فى معدن الانسان الذى يسكن هذه الارض ... .
( مش هانسلم يا رجاله ... اللى عايز يسلم يسلم هو ... السويس مش هايخدوها غير فوق جثثنا ... .
كبر الناس و هللو ... .بقوه ... بحماس ...
بخوف وقلق ... .
( الله اكبر ... الله اكبر )
وفى ثقه وانفعال صعد الشيخ الى المأذنه ... فتح مكبر الصوت ... القى نظره طويله على السويس ... .اغروقت عيناه بالدموع ... اندفع الدم حارا فى عروقه ... .. وبكل قوته ... .
( الله اكبر الله اكبر ... حى على الجهاد ... .حى على الجهاد )
وفى شوارع السويس توقفت الحياه فاجاه ... .صمت كل شيء الا صوت الشيخ ... .
التفت الناس الى مسجد الشهداء ... اخترقت الكلمات قلوبهم و ارواحهم ... و تحركو معا ... الرجال..الشباب ... الشيوخ ... النساء ... الاطفال ... ..
حتى هواء السويس العتيق تحرك بقوه ليلفح وجوههم تلك اللفحه الحاره المحببه الى النفس ...
حرك الهوا ء ستائر مكتب المحافظ بقوه و اغروقت عيناه بالدموع و هو يستمع الى الشيخ ... .
التقط سماعه الهاتف بلا شعور ... .
( ادينى الاشاره ... .ايوا ياحمد ... .ابعت اشاره ميدانيه ردا على اشاره العدو ... .. )
اخترق صوت الشيخ قلبه ... .
( هاتقولهم ايه يعنى ايه يا سياده النقيب ... .قلهم فى ستين داهيه يا ولاد الكلب ... .. )
اتاه صوت النقيب من الطرف الاخر فرحا مهللا ... .فاغلق الخط و القى نظره من النافذه على السويس ... .
وفى خيمه الجنرال ادان الميدانيه ... .اعتصر البرقيه بقوه و هو ينظر بغضب الى مساعده ...
( اه ..انه العند اذن ... الا يزال ذلك الغرور المصرى قائم ... . )
( اذن يا سيدى؟؟ )
( لا تضيع وقتا ... ابدا الهجوم على الفور ... لا تتركو فى المدينه شيئا لا تدمروه و اذا وجدتم احياء اسحقوهم ... . )
( نظر فى ساعته ... ثم قال ...
( امامنا 6 ساعات على الاكثر لنصل الى بدايه الطريق بين القاهره و السويس ... . )
انتشى عندما تصور نفسه على مقربه 120 كيلومترا من القاهره ... .
( و اذا لم تردعنا القياده ... . )
نظر الى مساعده فى زهو و شراسه ...
( عندها سارفع علم اسرائيل فوق الاهرامات ... )
وبلا تردد انطلق مساعده ليبدا الهجوم ...
بدا الهجوم..عنيفا شرسا ...
انطلقت القذائف الصاروخيه تدك المدينه قبل الاجتياح بساعتين ...
وتقدمت القوات على ثلاثه محاور ...
لواء العقيد آرييه المدرع يدخل من الشمال و الشمال الغربي و معه كتيبه المظليين و هم خيره افراد القوات الاسرائيليه تسليحا و تدريبا و شراسه ...
و لواء العقيد جابى من الدبابات يتقدم من اتجاه الجنوب و معه كتيبتين مشاه و على ان تلتقى القوتان فى وسط المدينه ... .
تحركت قوات آرييه ببطءو حذر مخترقه المدينه من اتجاه الشمال ...
ما من صوت ... ما من حركه ... .فقط مبانى مهدمه ... طرقات تصفر فيها الرياح ...
وفوق دبابته تلفت العقيد آريه حوله فى هدوء و هو يتحدث فى اللاسلكي ...
( جابى ..جابى ... حول ... .الوضع مطمئن ... لا اثر لحياه هنا ... .المدينه خاويه ... عشره دقائق فقط و نصل الى مركز المدينه ... .حافظ على تاخرك حتى اؤمن لك الطريق ... حول )
و فى اقل من عشره دقائق كانت قوات آريه تتمركز فى وسط السويس ... هدا الجميع بعد ان تاكدو من خلو المدينه ... شكل آرييه -الحذر -عده دوريات تبحث عن احياء فى دائره قطرها ثلاثه كيلومترات فعادت الدوريات بعد ساعه لتؤكد خلو المدينه ..عندها تناول آرييه جهاز اللاسلكى مره اخرى ...
( جابى ... يمكنك ان تتقدم الان ... الطريق آمن ... حدد الوقت المتوقع للوصول ... اذا تاخرت ساعتبر ان هناك خطرا ما ... حول )
كان آرييه حذرا للغايه و دقيقا ايضا ... فهو ليس من النوع الذى ينخدع بسهوله ...
لذلك شيئا ما كان يؤرقه ... .
لقد تلقو اشاره تفيد بان المدينه لن تستسلم ... و ها هو الان يرى مدينه خاليه تماما ... .
هل هرب المصريون حقا ... ام انها خدعه ... .
قاطعه صوت اللا سلكى فالتقطه بسرعه ...
( حسنا جابى انا فى المركز تماما ... هل ترانى؟ ... .نعم بالفعل ... حسنا انا اراك تقدم ... )
اعاد الجهاز الى موضعه و هو يتطلع بقلق الى قوات جابى وهي تتقدم نحوه ... .
لم يهدا حتى استقرت دبابه جابى بجانبه و خرج الاخير من برجها مبتسما ...
( حسنا يا آرييه ... انتهت العمليه ... لقد هربوا كما توقعت ... . )
تلفت آرييه حوله بهدؤ لا يخلو من الحذر ...
( شيئا ما يبعث القلق ..جابى )
( لا يا رجل ... ليس هناك مايبعث القلق ... المدينه خاليه تماما ... لقد هرب المصريون ... هذا ماحدث ...
فلنبعث اشاره الى القياده لنخبـ ... ... )
( ماهذا؟ )
قاطعه آرييه فاجاه و هو يحدق فى شيء بعيد خلف جابى ... .
التفت جابى بسرعه فعقد حاجبيه فى دهشه ...
على بعد اكثر من 200 متر كان طفلا صغيرا يقف بين مبنيين مهدمين ... يتطلع اليهم بهدؤ ... .
و يحمل لعبه صغبره مكسوره ... .حدق الجميع فى الطفل بدهشه لفتره طويله لكن جابى قطع الصمت بضحكه متوتره و هو يقول ... .
( هاااااى ... ماذا بك يا آرييه انه مجرد طفل خائف ... .هل يزعجك فعلا ... التفت اليه آرييه عاقدا حاجبيه و محولا نظره عن الطفل ...
( جابى لقد ارسلت دسته من الاوغاد لفحص المكان و لقد اكدو خلوه ... .ماذا يفعل هذا الطفل هناك اذن؟ )
( آرييه ... ماذا بك يا رجل لعله كان مختفيا هنا او هناك ا, ... .. )
بتر عبارته عنما رفع آرييه حاجبيه فى ذهول ... و هو يتطلع الى مكان الطفل ...
عاد جابى يلتفت بدهشه سرعان ماتحولت الى ذهول ...
لم يكن هناك اثر للطفل ... لقد اختفى ... .
تبادلا النظرات الحائره و علت همهمات الجنود ... .
فرفع آرييه يده بصرامه ...
( انتبااااااااااااااااااااه ... ... فلتتخذو مواقعكم ... و لتتقدم فرقه الاستطلاع لتـ ... .. )بتر عبارته مره اخرى عندما تناههت مسامعهم جميعا الى صوت موسيقي ياتى من بعيد ...
( ماهذا ... )
قالها جابى متوترا..
ارهفو السمع جميعا الى ذلك الصوت الذى ياتى من بعيد
تحدث آرييه ببطىء و هو يغوص حتى منتصف جسده داخل الدبابه ...
( انها السمسميه ... . )
( ال ماذا؟ )
( السمسميه ..انها الموسيقى الشعبيه التى تميز هذه المدينه ... )
( ماذا يعنى هذا ... ؟ )
( يعنى ان احدهم مازال هناك و يستفزنا؟ )
( آرييه ... كفاك تخريفا يا رجل انـ ... .. )
بتر عبارته فاجاه عنما سمع صوت صفيرا مميزا يقترب بسرعه ... حدق فى الافق فاتسعت عيناه بذهول و هو يهتف ... .
( اللعنه انها قذيفه احـ ... . )
لم يكمل عبارته فقد انفجرت دبابته بغته بدوى رهيب هز المنطقه ... .طارت راس جابى من فوق جسده لتدحرج على الارض بين الجنود الذين صرخوا فى رعب شديد ...
و بسرعه غاص آرييه داخل الدبابه و هو يصرخ فى الجنود ...
( اتخذو مواقعكم ... انه كمين ... .. )
اتخذ الجنود المذهولين مواقعهم بسرعه لكن دبابه اخرى انفجرت بقوه مخلفه موجه من النيران والذعر فى الصفوف ... ..ثن انفجرت ثالثه و رابعه و خامسه فى تتابع مخيف ... فصرخ آرييه فى مكبر الصوت ...
( تراجعو ... تراجعو انه فخ ... . )
ضاع صوته بين الانفجارات و بين صوت رصاصات الجنود التى انطلقت عشوائيا فى كل مكان ... .
ظلت الرصاصات تنطلق دون توقف و دون ان تصيب ايه اهداف ...
و بعد فتره توقفت النيران فى حذر و سادت حاله من الرعب بين الجنود ...
كان آرييه قد تراجع بالفعل بدبابته و هو يدير عينيه بتوتر من حوله ... .
و فاجاه خيل للجميع ان الرعد يقصف ...
سمعوا صوتا مدويا و ان لم يميزوه ...
لكن آرييه ميزه فى ذعر ... فهتف فى جنوده بقوه ... .احتمو بالدبابات ... بسرعه ... انه هجوم ... )
وفى اقل من عشره ثوانى من ندائه ... .فوجىء الجنود بعشرات الرجال يعتلون اسطح المبانى المجاوره و هم يصرخون فى آن واحد ... .
( الله أكبر )
و اشتعل الموقف بغته ... .
انهمرت الرصاصات على الجنود بشراسه رهيبه ... ..و من كل صوب ...
حاول بعض الجنود ان يبادلو اطلاق الرصاصات لكن الامر باء بالفشل فقد انهال عليهم مزيجا من الرصاصات و القنابل اليدويه و القذائف الصاروخيه ... .
لم يكن هناك اى مكان للاختباء ... ..
تخبط الجنود فى التراجع و اصتدمو ببعضهم البعض ...
علت صرخاتهم ... و الموت يخطفهم واحد تلو الاخر بسرعه ... .
وفى دبابته وجهه آرييه مدفع الدبابه الى احد المباني التى يطلق الرجال من فوقها النيران ... احكم التسديد ... و قبل ان يهم بالضرب ... .انفجر برج دبابته بغته ... .فاصتدم راسه بجدران الدبابه المعدني وصم اذنيه الصوت وفقد وعيه ... .
بدا الجنود فى الانسحاب بذعر و هم يطلقون النيران بغزاره و تفرقت القوات فى عشوائيه ... .
نجح كثير منهم فى التراجع بالفعل ... و اندفعو من نفس الطريق الذى دخلو منه. و الدبابات تنفجر خلفهم واحده تلو الاخرى ...
و اثناء الانسحاب انتبه معظمهم ان النيران لا توجهه اليهم ...
ادركو الامر بعد فوات الاوان ...
لقد حوصرت فرقه المظليين فقط فى منتصف المدينه ولم يستطع افرادها التراجع و لا حتى التحرك من مكامنهم التى اتخذوها حمايه من النيران المتواصله ... .
وخلف احدى الدبابات المدمره ... التقط النقيب اسحاق جهازه اللاسلكى و صرخ وهو يتصل بالقياده ...
( عمليات ... عمليات ... .النجده ... نحن محاصرين فى قلب المدينه ... لقد انسحبت الدبابات ... هناك خسائر جسيمه ... اكثر من عشرون دبابه ... و عدد كبير من الافراد ... النجده ... . )
... .القى النقيب اسحاق نظره خاطفه على اسطح البنايه المجاوره فراى مايزيد عن عشره رجال يطلقون النار فى غزاره ... .
تراجع محتميا بالدبابه وفتح الجهاز الذى يصله بجنوده من فرقه المظليين مره اخرى ...
( الى جميع الافراد ... هناك قسم للشرطه فى نهايه الشارع ... سوف نحتمى به ... فلنتحرك فرد فرد ... ساحاول انا و فرقتى توفير الحمايه لكم ... . )
اعاد الاتصال بفرقته الخاصه ليشرح لهم الخطه بانفاس متقطعه ...
و عند اشارته خرج اكثر من اربعين جنديا من مخابئهم دفعه واحده و هم يصرخون بشراسه و يطلقون النيران على الرجال المحتميين باسطح المنازل و الذين تراجعو بسرعه ... .
و تحت ذلك الغطاء النارى اندفع عدد كبير من جنود المظلات الى قسم الاربعين المجاور ليحتمون به ... .و عندما تاكد اسحاق من نجاح خطته هم بان يلحق بهم لكن الوقت لم يسعفه فقد فوجىء بالرجال امامه ... .
تراجع اسحاق و هو يطلق النيران بشراسه هو وجنوده لكن الرجال اندفعو اليهم غير مبالين بالموت يطلقون نيرانهم وهم يصرخون ... و تراجع الجنود بسرعه و اضطرب الصف و القى بعضهم سلاحه و اندفع هاربا لكن الرجال كانو قد وصلو اليهم بالفعل ... ثم انقسمو فريقين بسرعه ... فريق تحصن بالدبابات المشتعله و هو يمطر الجنود المختبئين داخل القسم بالنيران والقنابل و فريق انقض على ماتبقي من جنود اسحاق ... .
و لقد قاتل اسحاق وجنوده بقوه ... .
و التحم الرجال معهم بالايدى المجرده بعدما نفذت ذخيره الطرفين ...
استل اسحاق خنجره في شراسه و هو يهتف فى جنوده ...
( تماسكو ... . )
طعن اقرب الرجال اليه وركل اخر فى وجهه لكن يدا قويه باردة كالثلج احاطت بعنقه من الخلف و حملته كالطفل الى اعلى ففقد خنجره و جاهد حتى يلتقط انفاسه بلا جدوى و احمرت عيناه وجحظتا ... ..
تركه صاحب اليد القويه يسقط فاجاه و هو يسعل بقوه ... و استدار اسحاق الذى اكتنف عقله الدوار ليواجه خصمه الشاب ... ..و الذى كان ينظر اليه بصرامه شديده ...
ورغم ذلك فقد بادره اسحاق بالهجوم فانقض عليه موجها اليه ركله و هو يصرخ فى غضب ... تحاشها الشاب بسرعه و قبض على قدمه بقوه ثم حمله ودار حول نفسه دوره واسعه ليسقط فوق جسده سقطه جباره ...
تاوه اسحاق بالم و زاغت الرؤيا امامه ...
لكن الشاب هوى على فكه بلكمه قويه صدمت راسه بالارض فشهق ... ثم فقد الوعى ... .
سحبه الشاب بسرعه الى بنايه مجاوره ليسلمه الى اخر ... ..ثم عاد ليقاتل مره اخرى ...
كان الرجال الاخريين قد قضوا على بقيه جنود اسحاق تماما ...
وفى نفس الوقت كان الجنود المختبئين بالقسم يطلقون نيرانهم بشراسه وغزاره على الرجال الذين احتمو بالدبابات ... ..
صرخ الشاب في الرجال و هو يلتقط مدفعا و يحتمى باحد البنايات ... .
( يارجاله ... حاصروهم ... .من كل اتجاه ... .مجموعه تلف من ورا القسم و تامن المكان بسرعه ... . )
تحرك عدد من الرجال بسرعه لكى يحاصرو القسم من الخلف ... .
استند الشاب بظهره الى المبنى و هو يتاكد من حشو خزانة مدفعه ويختلس النظر بين الحين والاخر الى الجنود المختبئين ... .
( كده حلو اوى ... .خليكم محبوسيين زى الكلاب بقي هنا لحد مانخلص على الباقي ... . )
ثم نهض فاجاه وهتف ... .
( عادل ... رمزى ... .احمد ... .يالا )
تسلل الثلاثه محتميين بالغطاء النيرانى ليلحقو بالشاب ... .
( هاه يارجاله جاهزيين ... . )
( جاهزين يا يوسف ... . )
قالوها ثم تسللو من المنطقه بين البنايات بسرعه ... .
وبعد نصف الساعه تقريبا كانو يعتلون سطح احدى البنايات التى تطل مباشره على تجمع لعدد من دبابات العدو المنسحبه ... .
( سيبهم كده لحد مالييل يليل عليهم ... عشان يكون الخوف اتملك منهم اكتر ... .انت فهمت بقيه الرجاله على كل حاجه يا عادل ... .؟ )
قالها يوسف وهو يراقب الجنود بهدوء ...
اومأ عادل براسه ايجابا و هو يهمس ...
( كلنا جاهزيين يا يوسف ... . )
( عالبركه انشاء الله ... )
... ... .
وفى القياده على اطراف المدينه اعتصر ادان البرقيه القادمه اليه بغضب و هو يصرخ فى مساعده ... .
( ماذا يعنى هذا ... انا لا اصدق ... جابى مات و آرييه فقد ... و فرقتين مدرعتين مدعومتين بكتيبه من اوغاد المظلات عالقين فى المدينه ... . )
صمت ليلتقط انفاسه بغضب ثم عاد يصرخ ...
( ماذا يعنى هذا يا شيمون ... .اجبنى ... )
تنحنح شيمون فى توتر و تلعثم وهو يقول ...
( من الواضح ان المصريين قد ارسلو قوات الى المدينه قبل ان نصل والـ ... . )
( هرااااااااء ... . )
قاطعه ادان صارخا بغضب ... ..
( هراء يا شيمون هراء ... انت تعلم ان الاقمار الصناعيه الامريكيه لم ترصد اى تحرك لقوات داخل المدينه ... .اللعنه ... لقد ظللنا نقصف المدينه ليومين كاملين اى شيطان يعيش بعد هذا القصف ... . )
توقف مره اخرى ليلتقط انفاسه ... .
( اريد ان اعرف من الذى يقاتل هناك ... .يجب ان اعرف ... الان يا شيمون ... . )
قالها غاضبا و ملوحا باصبعه فى وجهه شيمون الذى بدا التوتر على ملامحه ...
( كما تشاء يا جنرال ... كما تشاء ... سنستطلع الامر ... .فقط اهدا ... . )
قالها و اندفع خارجا من خيمه ادان الذى سقط على مقعده و دفن وجهه بين كفيه ... .
حل الليل على المدينه ... .
ما من ضوء ولو خافت ينير الظلام ...
تجمع الجنود الاسرائيليون حول دبابتهم فى توتر و انتصب بعضهم قلقا وراء الحواجز و التحصينات التى اقاموها ...
و بجوار احدى الدبابات تحدث جندى الي زميله هامسا ...
( شلومو ... هل تظن ان المصرييون مازلو هنا؟ )
حدق فيه شلومو بسخط ...
( ماذ1ا تقصد؟ ... من كان يقاتلنا اذن؟ )
تلفت الجندى حوله بخوف ... .
( لا اعرف ولكننى لا اظن ذلك ... . )
( ماذا تعنى داود؟ )
( اعنى انه من الممكن ان يكون ... اقصد ... انه ... . )
تلعثم و لم يكمل ... .فاعاد شلومو السؤال باصرار و سخط ...
( ماذا تقصد داود؟ )
تهدج صوت داود و عاد يتلفت حوله مره اخرى و هو يقترب من شلومو ...
( كم يوما قصفنا تلك المدينه اللعينه ... ؟ )
( يومين ... لماذا؟ )
( ماذا قالت اشارات الاقمار الصناعيه؟ )
قالت انه لا توجد قوات داخل المدينه ... لماذا تسئل تلك الاسئله السخيفه داود؟. )
( حسنا و اذا كان القصف ليومين و الاشارات تؤكد انه لا توجد قوات داخل المدينه ... من كنا نقاتل اذن؟ )
( المقاومه بالطبع ... ماذا تعنى داود؟ ... انت تثير اعصابى بالفعل ... . )
اكمل داود و كانه لم يسمعه ...
( هل رايت كيف انفجرت الدبابات بسرعه و بطريقه مخيفه ... هل شاهدت هؤلاء الرجال الذين حالو بيننا وبين قوات المظليين؟ ... .هل رايت ذلك الشاب الذى حمل اسحاق و القى به ارضا و انت تعرف اسحاق جيدا؟ ... هل تظن ان هذا التنظيم و تلك القدره القتاليه المتقدمه يمكن ان يتوفرا لافراد مدنيين تلقو تدريبا وهميا على القتال؟ ... .لا ياصديقى انا لا اظن ذلك ... .و حتى لو افترضنا ذلك ... الم تؤكد فرق الاستطلاع الخبيره على خلو المدينه قبل الاقتحام ... اذن من هؤلاء ... من اين جائو؟ )
كان يتكلم بسرعه و اندفاع حتى ان توتره انتقل الى شلومو الذى انكمش قليلا و هو يهمس ...
( ماذا تعنى؟ )
تلفت داود حوله مره اخرى و انكمش على نفسه اكثر و هو يقول بصوت مبحوح ...
( انهم ارواح الموتى ... عادو لينتقمو ... )
على الرغم من سذاجه الكلمات الا ان شلومو شعر بقشعريره بارده تسرى فى جسده ... ساعد على ذلك الظلام الدامس الذى خيم على المكان و التوتر المحيط بهم. و تناهت مسامعهم الى اصوات أنين الجرحى الذين خلفوهم ورائهم ...
هم داود بالكلام مره اخرى لكن اطرافه تجمدت عندما تناهى الى مسامعه صوت موسيقى صادرا من بعيد ... .
( استدارا الى مصدر الصوت و كذلك فعل بقيه الجنود و تعالت الهمهمات و ساد التوتر ...
حتى صرخ قائدهم فيهم مطالبهم بالصمت و الهدؤ فهدأت الاصوات على استحياء الا من صوت السمسميه الذى يعزف ... ثم علا صوت رجل يغنى في هدوء و بساطه و يتبع كل مقطع فى اغنيته بصقفه منتظمه متتابعه ...
و اثار ذلك الخوف فى نفوس الجميع ... .و ظهرت علامات الخوف جليه واضحه عليهم و هم يترقبون الموت ياتيهم من اى مكان ...
و على مسافه قريبه منهم داخل احد المبانى المهدمه ... واصل مجموعه من الرجال المسلحين عزفهم على اله وتريه صغيره و هم يغنون و يصفقون بايديهم تلك الصقفه المنتظمه ... .
حمل الهواء صوتهم الى اليهود فارتجفو بشده ... .
اخذت بعده الموسقى تهدا رويدا رويدا
و فاجاه ... .
( الله اكبر..الله اكبر ... حى على الجهاد ... حى على الجهاد )
تردد صدى صوت الآذان فى السويس الصامته و حل كالموت على قلوب الجنود الذين وصل توترهم الى حد بعيد ... .
وفى قسم الاربعين تعالت انفاس الجنود المحتجزين بالداخل و هم يهمسون الى بعضهم البعض فى خوف و توتر ... .يختلسون النظر الى الطريق فى الخارج لعلهم يجدوا من ينقذهم من ذلك المازق ... .
اما يوسف ..وزملائه ... فقد سحبوا اجزاء مدافعهم فى بطىء و هم يتطلعون الى اليهود القابعين اسفل المبنى ... .
تعلقت العيون بيد يوسف المرفوعه و هو يزحف فى بطء شديد الى حافه المبنى ... .
و فاجاه خفض يوسف يده بقوه و هب واقفا و كذلك فعل عشرات المقاتلين على اسطح البنايات المجاوره ...
و انفتحت ابواب الجحيم مره اخرى ... .
صرخ يوسف و هو يمطر الجنود برصاصاته من اعلى المبني و وانهمر من بعده سيلا من الرصاصات الغاضبه على الجنود الذين تدافعو و ردوا باطلاق نار عشوائي و هم يتراجعون ... قفز يوسف من سطح الى سطح و هو يمطرهم بالرصاص و يبدل خزانه مدفعه بسرعه كلما فرغت و من خلفه زملائه ثم انبطح ارضا فاجاه وهو يهتف ...
( عاااادل ... دلوقتى يا عادل ... . )
ما ان قالها حتى اطلق عادل طلقه مضيئه الى السماء لتضيء المنطقه ...
و بمجرد ان سطع الضوء انطلقت العشرات من القذائف الصاروخيه لتدمر الدبابات واحده تلو الاخرى ... و تلاشت صرخات الجنود المحترقين بين الانفجارات المتتابعه و اندفع الجنود بلا هدى فى طرقات المدينه ... و الرعب يطاردهم ... .
وفى نفس الوقت انهالت القنابل اليدويه و الرصاصات على الجنود المحتجزين فى قسم الاربعين و الذين ازدادت شراستهم و هم يبادلون اطلاق النار و القنابل ... و كانهم قد تحولو الى وحوش بفعل الخوف ...
اما يوسف فقد انطلق هو و زملائه من مبنى الى مبنى و من سطح الى سطح يطاردون الجنود الفاريين ...
و فى ممر ضيق ... تابع يوسف خمسه جنود يندفعون و كان الاشباح تطاردهم فى الظلام ... .
قفز يوسف فاجاه من ارتفاع عال فوق احد الجنود و صدم راسه بالارض ... صرخ الجنود الاخرين فى رعب من المفاجاه لكن يوسف لم يمهلهم ... فقد استل خنجره و اندفع الي اقرب الجنود اليه و طعنه بقوه ثم دفعه و جذب اخر اليه ليذبحه ...
رفع الباقيين مدافعهم اليه فى ذعر لكن عادل واحمد و رمزى اطبقو عليهم من الخلف ليتلقى كل منهم رصاصة تودى بحياته ... و فى سرعه انطلقت الفرقه الصغيره لتدخل الى البنايه المجاوره بسرعه ... ومن السطح شاهدو الجنود الاسرائليين ممدين ارضا مابين قتيل و جريح و الرجال يلاحقوهم بشراسه ... و امتزجت صرخات الرعب بصيحات الغضب ... .
( عادل ... الاشاره بسرعه ... بلاش نتقدم اكتر من كده دلوقتى ... . )
قالها يوسف و هو يثبت مدفعه الى كتفه و يحكم التسديد على احد الضباط الاسرائيليين و الذى كان يحاول الصعود الى عربه مدرعه ...
اطلق عادل طلقته المضيئه الى السماء فى نفس الوقت الذى انفجر فيه راس الضابط الاسرائيلي ... .
تراجعت القوات الاسرائيليه بسرعه تحت غطاء كثيف من النيران مخلفه ورائها العشرات من القتلى و الجرحى يصرخون طالبين النجده ... و هم يرون قواتهم تتقهقر غير قادره حتى على انتشالهم من ذلك الجحيم ... .
و بسرعه تقهقر الرجال الى داخل المدينه ليذوبو بين طرقاتها المظلمه كالاشباح ... حاملين معهم عدد كبير من الاسرى ... و فى بنايه مهدمه تبعد كثيرا عن الموقع ... ابتسم يوسف بسخريه و هو يتطلع الى النقيب اسحاق المقيد فى مقعد خشبى فى منتصف حجره بسيطه خاليه من الاثاث تقريبا ...
( اهلا يا بطل ... ايه خايف ولا ايه؟ )
قالها يوسف بسخريه و هو ينظر مباشره الى عينى اسحق ... .
لكن اسحق عقد حاجبيه بشده ولم يرد ...
( مالك يا كابتن ... القطه كلت لسانك ولا ايه ... انا عارف انك بتتكلم عربى احسن منى ... )
تطلع اليه اسحق فى تحدى ... و التقت نظراتهما لفتره طويله قبل ان يقول اسحق فى عجرفه ...
( هاتدفعو تمن اسرى دا غالى اوى ... قواتنا مش هاترحمكم.. )
هز يوسف راسه بتفهم و دار حول اسحاق حتى استقر خلفه ... اقترب بشفتاه من اذنه..و تحدث فى هدؤ ...
( انهى قوات فيهم يا كابتن؟ ... المظليين اللى محبوسين زى الفيران فى قسم الاربعين و لا قواتكم المدرعه اللى هربت قدامنا من شويه ؟ )
زم اسحق شفتيه بغضب و هو ينظر الى بقيه الرجال المحدقين فيه بشماته ... ..
( طبعا سهل انك تتبجح و انا لوحدى بينكم ... لكن لو كنـ ... . )
قاطعه يوسف بهدوء ساخر ...
( ليه بس يا كابتن..ماحنا كنا راجل لراجل ... .ماشوفناش منك يعنى حاجه ... .و رغم كده بسيطه ... )
قالها ثم استل خنجره فى سرعه وحركه ببطء امام رقبته ... .تعلق نظر اسحق بالخنجر فى توتر ... لكنه عقد حاجبيه فى شده عندما هوى يوسف على الحبال التى تقيده بضربات حاسمه و سريعه فقطعها ... و حرره
تبادل الرجال المحيطيين بهم النظرات القلقه و هم ينظرون الى يوسف متسائليين ... .
اما يوسف فقد اشار لهم بيده بهدؤ و هو يقول ...
( معلش يا رجاله خطوه لورا كده عشان النقيب اسحاق ياخد راحته ... . )
تراجع الرجال الى الحائط مفسحين المكان و هم ينظرون الى اسحاق المتوتر ...
عقد يوسف ساعديه فى هدؤ و هو ينظر الى اسحق و يقول بهدؤ لا يخلو من الصرامه ...
( وعد شرف منى يا كابتن لو قتلتنى ... هاتخرج من هنا على رجليك بدون ماحد يلمسك ... . )
نقل اسحاق بصره بين يوسف و بقيه الرجال فى توتر ... ثم حسم قراراه ...
اطلق صيحه قتاليه فاجاه و هو ينقض علي يوسف موجها اليه مجموعه من الضربات المنظمه القويه ...
تحرك يوسف فى سرعه و خفه ليتحاشي الهجوم المفاجا و دار حول اسحق بسرعه ... التفت اسحاق ليواجهه مره اخرى ... ثم قفز فى الهواء مطلقا صرخه قتاليه موجها ركله عنيفه الى يوسف بقدميه معا ... لكن يوسف انبطح ارضا بسرعه ليعبر جسد اسحق من فوقه و يسقط ارضا ...
و ما ان لمس جسده الارض حتى انتفض اسحاق واقفا مره اخرى و هو يتخذ وضع قتالي من جديد ... التقت اعينهم و هم يدوران حول بعضهما فى بطيء لفتره ثم انقض اسحق مره اخرى وموجها الى يوسف عده لكمات متتاليه كلاعبي الملاكمه المحترفين ... لكن يوسف تحاشى جميع الضربات مره اخرى بمرونه فائقه ثم امسك بقبضه اسحق فاجاه و ادار ذراعه كله حول نفسه فشهق اسحق فى الم ... لكن يوسف اتبع ذلك بضربه جباره من راسه وهو مازال ممسكا بيده ... فتاوه اسحق فى الم و حاول ان يوجهه الى يوسف ركله قويه لكن يوسف تحاشاها بسرعه و عاد يضربه براسه بقوه ... .
جائت الضربه هذه المره بين عينيى اسحق تماما ففقد توازنه للحظات ... لكنه دفع يوسف بقوه و هوى على عنقه بضربه قويه اتبعها بركله عنيفه فى معدته فسقط يوسف ارضا ... و بسرعه خطف اسحق خنجر يوسف من على الارض و انقض عليه صارخا ...
( هاقتلك يا مصرى يا كلب ... . )
قبل ان يتم عبارته كان يوسف قد هب واقفا ليتلقى يد اسحق الممسكه بالخنجر بسرعه ثم يوجهه لكمه عنيفه الى معدته ... وشهق اسحق مره اخرى ... .
اتبعها يوسف بركله قويه فى نفس المكان ثم هوى بمرفقه على عنقه و هو يزمجر بغضب فسقط اسحاق على ركبتيه ...
و دون ان يشعر انهال يوسف عليه باللكمات العنيفه التى حولت وجهه الى كتله من الدماء ... كانت قبضته تعلو وتهبط على وجهه اسحاق بقوه رهيبه و تنفجر معها صرخه مدويه فى اعماقه ... .
رائحه العرق الممزوجه بالدم ...
اصوات تطلب الرحمه و هى تصرخ فى لوعه ...
اشلاء تتطاير فى الهواْء و دماء تلطخ وجهه ...
هدير طائرات يصك الاذان و صرخه طفل صغير ...
و لعبه مكسوره تسقط بين الانقاض لتدهسها الحذيه الثقيله فى قسوه ...
ولولا ان امسك به الرجال بصعوبه بالغه لما كان توقف ... .
سقط اسحق مغشيا عليه بينما يوسف يلهث من الغضب و الانفعال ...
( عفارم عليك يا يوسف ... )
ربت احد الرجال على ظهره و قدم له اخر كوبا من الماء و هم يهدئونه ...
و بعد قليل ... .هدات اعصابه ... و استعاد رصانته ... .
( الا قولى يا يوسف يا خويا ... الا صحيح انت ظابط فى الصاعقه؟ )
جرع يوسف كوب الماء دفعه واحده ثم ابتسم الى الرجل و لم يرد ... .
( لا بجد يا يوسف انت ظابط ولا لأ؟ )
مره اخرى ابتسم يوسف و اطرق براسه ولم يرد ... ..
اندفع اخر يساله ... .
( طب انت مش من السويس صح؟ ... انا عمرى ماشوفتك قبل كده ... )
اجابه يوسف بصوت خفيض عميق ...
( انا من مصر يا عادل )
( بص بقي يا يوسف ... الصراحه احنا كلنا كده مستغربين منك )
نظر يوسف اليهم مبتسما ...
( ليه بس يا رجاله )
( يعنى..لما العميد عادل و الشيخ حافظ كانو بيحطو الخطه ماشوفناكش معانا و لما اتقسمنا مجموعات برضه ماشوفناكش و بعدين فاجاه كده لاقيناك دخلت معانا فى العركه و الاغرب انك كنت بتتصرف كده زى ماتكون عارف و فاهم فى الامور العسكريه ديه ... فيه حاجه غريبه ... . )
كان يوسف مطرق الراس مبتسما يستمع في هدوء ... ..
( ابدا يا رمزى انا بس عندى تار مع اليهود ... )
( يا عم ماكلنا عندنا تــــ ... ... )
بتر يوسف عبارته مبتسما و هو يقول ... .
( مش تلحقو تروحو بقى للشيخ حافظ عشان تبلغوه اللى اتفقنا عليه احسن مانقعد نتكلم فى اصلى و فصلى ... . )
هم رمزى بالاعتراض لكنه اطبق شفتيه وهز كتفيه فى حيره و نهض حاملا سلاحه ... .
( انا هافضل هنا مع الكلب ده ... .لو فيه اى حاجه نتبادل الاشارات ... . )
قالها يوسف و هو يعيد تقييد اسحق مره اخرى ... .
انطلقت المجموعه متسلله فى جنح الظلام حتى وصلت الى احد المخابىء تحت الارض ... و بعد لحظات قص الرجال ماحدث على العميد عادل و الشيخ حافظ الذين انصتو فى اهتمام ... .
تكلم العميد عادل..
( يعنى صاحبكم اللى اسمه يوسف ده بيقول ان هما اكيد هايحاولو يحررو فرقه المظلات ... . )
( مش بس كده يا فندم دا كمان معترض على فكره ان احنا نحاول ناسرهم و بيقول ان احنا لازم نفجر القسم ... )
تبادل العميد عادل و الشيخ حافظ النظرات ثم فرد العميد عادل خريطه بدائيه للسويس امامه على الطاوله ...
( على كل حال ... احنا متوقعين الهجوم ... و دلوقتى هافهمكم ايه اللى هانعمله بالظبط )
***********************************************************************************************************
كان صباحا قاتما على كل القوات اليهوديه التى تاهبت من جديد للهجوم ...
ترى الخوف فى عيون الجنود ...
ولسوف تسمع نبضات قوبهم تدوي كالطبول ... .
و مازال صراخ زملائهم ليله امس يمزقهم ... .
رغم ذلك كان القتال شيئا حتميا ...
رفعت الاعلام المغربيه و الجزائريه على الدبابات اليهوديه على سبيل الخداع ... .املا فى ان تنطلى الحيله على المقاومين ...
و ان كانت نظره واحده الي عيون الجنود كافيه بان تدرك انهم لا يقتنعون بذلك ابدا ... .
تقدمت الدبابات بحذر اكبر هذه المره و بدات فى هدم كل مايعترضها من مباني صغيره حتى لا يستغلها المقاومين فى الاختباء
كانت الاوامر واضحه ...
يجب تحرير المظليين المحاصريين فى قسم الاربعين ...
يجب العبور الى الجانب الاحر من المدينه حيث بدايه الطريق الى القاهره ...
مهما كلف ذلك و مهما كان الثمن ... .
و على الجانب الاخر ... تقدم رجل فى منتصف العمر خلت ملامحه من اى آثار للعظمه ... و حلت البساطه النقيه محلها ... تقدم الى العميد عادل ... .
( يا فندم احنا لازم نقفل شارع عرابي لان ده طريقهم الوحيد للعبور ... )
تطلع اليه العميد عادل حائرا ...
( ايوا يا محمود بس ازاى ... الشارع عريض و صعب ان احنا نسده ... )
انا عندى طريقه يا فندم ...
و فى دبابه القياده اليهوديه حدق القائد فى الطريق امامه بذهول ...
فامامه و فى شارع عرابي ... مئات السيارات المعطوبه تسد الطريق تماما ... .
اذيبت بعضها لتشبك الاخريات بقوه الفولاذ ...
( ماهذا بحق الجحيم؟ ) ... ( الشارع مسدود تماما ... .لن نستطيع المرور ... سيتطلب ازاله تلك الحواجــ ... .. )
بتر عبارته و ذاغت عيناه و هو يحدق فى ذلك الجسم الذى يومض بقوه و هو يقترب منه بسرعه خارقه ... .
( اللعنه )
طار برج دبابته و انسحق جسده بين البرج و القاعده ...
و انفجرت الدبابه المجاوره له ثم انهالت القذائف بغته على رتل الدبابات اليائس الذى اطلق كل قذائفه بسخاء شديد ولكن دون جدوى ... .
وفي دقائق معدوده ... تدمر عدد كبير من الدبابت و اندفعت البقيه فاره فى كل اتجاه بدون تنظيم ...
وضجت السماء بصيحات قتاليه رهيبه صكت اذان اليهود الذين تراجعو فى رعب و هم يطلقون نيرانهم فى سخاء ...
و فى احد الازقه انحرفت دبابه على غير هدى و قد اصاب سائقها الجنون و هو يحاول الفلات من من عده رجال يطاردونه ...
هنا فقط فى تلك البقعه من العالم ... تفر الماكينه الرهيبه المصنعه من الفولاذ و المسلحه بكل ماهو مدمر ..من مجموعه صغيره من البشر الذين تجرى فى دمائهم حراره الجحيم نفسه ...
و انحرفت الدبابه فى شارع اخر ثم استدارت لتواجه الخصوم الذين دارو حولها بسرعه خاطفه فلم تظفر بهم ... فواصلت اندفاعها ... .
وفوق احد الاسطح القريبه ... تنقل يوسف بخفه و هو يراقب الدبابه فى هدوء و يتمتم ...
( تعالى هنا..تعالى ... متحرمنيش من الفرصه دى )
و كأن قائد الدبابه سمعه فاستدار بسرعه محاولا الهروب لينحرف الى ذلك الشارع الجانبى الذى تتوسطه بنايه صغيره يقف على سطحها يوسف متحفزا ...
و مان اصتدم مدفعها باحد الجدران حتى قفز يوسف بجراه ليستقر فوقها ...
وشعر الجنود بداخلها بذلك ... ففتح احدهم الكوه بسرعه و هو يطلق نيران مدفعه بغزاره لكن يوسف ابتعد عن اتجاه النيران بسرعه و خفه و هو يبتسم و يدور حول الكوه ...
تمهل لثوانى ثم اقترب من الكوه بحذر ... فتحها بغته و القى داخلها بقنبله من الدخان و اقفز مبتعدا فى سرعه ... و ماهى الا ثوان حتى خرج الطاقم باكمله و هم يسعلون فى قوه و يلوحون بايديهم فى كل اتجاه ...
لكن الرحمه فى تلك الظروف ... قد لا تجد سبيلا الى قلوب البشر ...
و فى سرعه سحب يوسف اقرب الجنود اليه و عاجله بطعنه فى قلبه فشهق بقوه و خر صرعا..ثم استدار الى الجنود الثلاثه الباقيين و الذين تراجعو امامه برعب شديد و هم يلوحون بايديهم طالبين الرحمه و السعال يقطع اوصالهم ...
كان الدخان كثيفا حقا ...
لم يتبين احدهم من اين ياتيه الموت ...
فقط يصرخ عندما يخترق الخنجر جسده و يسقط صريعا ...
و فى ثوانى ... انتهى كل شيء ... .
سقط الجنود الاربعه صرعى و هم يئنون و يشهقون ...
و وقف يوسف يتاملهم معقود الحاجبين مشدود الجسد ...
و على سطح قريب تبادل عادل و رمزي النظران فى توجس و هم يشاهدون مايفعله يوسف ...
( انا مش فاهم هوا ليه مضربهمش بالنار ... ليه دايما بيحب يستخدم السونكي ... )
هم عادل بان يجيبه لكنه اطبق شفتيه فى صمت و استدار ...
( يالا نحصله ... )
على صوته وهو ينادى على يوسف ...
( يووووسسسف ... .احنا نازلين استنى )
لم يبد ان يوسف قد سمعه حتى ... فلم يترك الخنجر المبلل بالدماء ... لم يغير وقفته ... و لا تلك النظره التى فى عينيه ...
كان الدخان مازال كثيفا ... و لم تكن الرؤيا واضحه تماما ...
شق الصديقين طرقهما بين الجنود الصرعى الى حيث يقف يوسف ...
لكن الدهشه اعترتهم عندما و جدو مكانه خاليا ...
تراجعا للخلف قليلا ليبتعدا عن الدخان ...
ثم تبادلا النظرات الحائره ...
( هوا راح فين ده؟ )
( مش عارف مش كان لسه هنا؟ )
( يمكن مشى ... )
( غريبه ... )
على كل حال يلا نلحق الرجاله عند قسم الاربعين ... )
كانت القوات الاسرائيليه المقتحمه لشارع عرابى قد تدمرت تماما حتى ان الشارع قد تحول الى محرقه للدبابات و الجنود و خلا الشارع من المقاومين الذين اندفعوا ليلحقوا باخوانهم امام قسم الاربعين ...
لم يبقي في الشارع غير الجرحى يئنون فى الم و رعب و هم ينذفون دمائهم ... .
وامام قسم الاربعين بلغت المعركه شدتها ...
تساقط الرجال من المقاومين فى كثره و تساقط اليهود ايضا و انفجرت دبابتهم و مدرعاتهم و هم يحاولون باستماته الاقتراب من القسم ... .
اندفعت القذائف الصاروخيه فى جنون .. تقاطعت الرصاصات ... ارتفعت الصرخات الى السماء ...
كانت معركه البقاء ...
و كان الجنود المحتجزون فى الداخل يطلقون رصاصتهم فى سخاء ...
و خلف احد الحواجز القى عادل و رمزى جسديهما محتميين من النيران ... و هم يزحفون بسرعه ليتخذو مواقع قتاليه ...
استقرا بجانب الرجال و فتحا نيران مدافعهم فى سخاء ...
و بصوت اقرب الى الصراخ ...
( انتو مافجرتوش القسم ليه يا دفعه؟ )
( ملحقناش يا استاذ اليهود سبقونا و حاصرو المكان ... . )
( و العمل؟ )
( العمل عمل ربنا ... . فيه واحد من الصاعقه علي ما اظن بيحاول يزرع متفجرات قرب القسم )
هم عادل بان يضيف لكن عيناه اتسعتا فى ذهول و توقف عن اطلاق النار و هو يحدق في ذلك الشاب الذى كان ينطلق وسط النيران كالبرق و هو يراوغ يمينا و يسارا و يقفز فوق دبابه ثم يتدحرج ... .
وصرخ رغما عنه ...
( رمزى ... رمزي ... الحق ... )
قالها و اشار الى الشاب الذى كان قد اقترب خلسه من القسم ...
اتسعت عينا رمزى بذهول بدوره و هو يحدق في يوسف الذى كان يزحف ملتصقا بجدار القسم و محتميا باحد الدبابات ... .
تبادلا النظرات فى ذهول فقد قطعا الطريق بين شارع عرابي و قسم الاربعين فى ربع ساعه تقريبا ... اى ان يوسف سبقهم الى هنا منذ زمن ...
و لكن ذهولهم تحول الى صدمه عندما هتف الجندى المجاور لهم و الذى يطلق النيران فى سخاء ...
( يالا يارجاله اجمدو ... لازم نامن المكان للراجل ده ... بقاله ساعه بيحاول يقرب من القسم ... و اخيرا وصل ... )
لم ينتزعهما من الذهول الى تلك القذيفه التى هوت على مقربه منهم و شعرا بلفح حراره الانفجار الرهيب ...
بعدها هب الجندى المجاور لهما فاجاه و اندفع من مخباه حاملا قاذف الصواريخ ... غير مبالى بالنيران المنهمره كالمطر و هو يقتر بمن دبابه ادرات مدفعها الى يوسف الذى انهمك فى تثبيت كميه من المتفجرات غير عابئ بها ...
و قبل ان يصل الىها ارتجف جسده بقوه بعد ان اخترقته الرصاصات ...
سقط ...
و قبل ان يلامس جسده الارض كان رمزى قد اختطف منه قاذف الصواريخ و هو ينطلق الى الدبابه فى اصرار و عادل خلفه يطلق النيران على الجنود وجها لوجه و قد ندت عنه صرخه جباره ...
و توقف رمزى بعد ان اقترب كثيرا و بسرعه هبط على ركبتيه و سدد قذيفه محكمه الى الدبابه التى انفجرت قبل ان تطلق قذيفتها بثوان ...
و بسرعه انتهى يوسف من تثبيت المتفجرات و انطلق الى الجهه الاخرى من القسم ليتم مهمته ... لكنه كان قد اقترب كثيرا من الجنود الذين ادارو فوهات مدافعهم اليه فى شراسه و امطروه بالرصاص ...
القي يوسف جسده ارضا و تدحرج بسرعه و مهاره متفاديا رصاصتهم و ما ان اعتدل حتى قذف قنبله يدويه باتجاههم فتفرقوا فى ذعر لكن الانفجار كان اسرع ...
و قبل ان يتحرك بقيه زملائهم لمنع يوسف اندفع عشرات الرجال من مكامنهم يطلقون صرخات قتاليه و ينقضون عليهم بجساره شديده ...
حتى التراجع لم يكن حلا ...
فمن الخلف اطبقت مجموعه اخرى من الرجال عليهم يمطرونهم بكل شيء ...
فالقى الكثير منهم سلاحه و انبطحو ارضا رافعين ايديهم بالاستسلام ...
اما يوسف الذى انتهى من تثبيت بقيه المتفجرات فاندفع مبتعدا بسرعه عن القسم و هو يشير للرجال بالتراجع و صرخات رجال المظليين المحتجزين داخل القسم تعلو في هيستريا..
و انفجر القسم ...
انفجر و بداخله عدد كبير من رجال المظليين ... الذين ضاعت صرخاتهم بين اصوات الانفجارات و بين انين زملائهم الجرحى ...
و تراجع ماتبقي من القوات منسحبا بلا نظام ...
يتخطفهم الموت من كل اتجاه و يسقطون ارضا طالبين الرحمه ... .
ثلاثه و سبعين دبابه و مدرعه تدمرت فى يومين ...
خمسمائه قتيل ...
عشرات الاسرى و المفقودين ...
انحصرت القوات المتبقيه عند مدخل المدينه ... منكمشه ... مرتعبه ... تتراقص اشباح الموت امامها فى كل لحظه ... ينظرون الي زملائهم الجرحي الممدين علي بعد امتار و لا يجسر احدهم ان يقترب منهم ... .
و تراجع المقاومين و اختفوا فى طيات المدينه العتيه ... و قد اسروا عددا كبيرا من الجنود الاشداء ...
و سقط عادل منهكا مستندا بظهره الى الحائط و هو يلهث ...
و تمدد بجانبه رمزى و عشرات الرجال ...
تعلو وجووهم فرحه و طمانينه ...
و بعد ان استراحو قليلا ... اعتدل رمزى من رقدته و اسند ظهره على الحائط بجوار صديقه..
( انت شفته صح؟ )
( طبعا شفته هي دى عايزه كلام؟ )
( بس ازاى ... داحنا سايبينه عند الدبابه ؟ )
( مش عارف يا رمزى مش عارف )
( و انت شفت العسكرى- الله يرحمه- اللى كان جمبك بيقول انه هنا من ساعه؟ )
( و الله يا صاحبى الله اعلم )
لم ترضى تلك الاجابه رمزى فزحف الى اقرب الرجال اليه ...
( بقولك ايه يا استاذ ... شفت الشاب اللى فجر القسم..؟ )
( ابتسم الرجل فى انهاك وهو يقول
( طبعا هوا ده يتنسى )
( هوا كان موجود معاكو من امتي ... )
( مش متاكد بس هوا كان بيحاول من اكتر من ساعه انه يقرب من القسم عشان يزرع المتفجرات )
انت تعرفه يا استاذ؟ )
( لا والله يا بني انا اول مره اشوفه ... شكله كده مش من السويس ... )
تراجع رمزى فى حيره الى جوار صديقه و هم بان يعقب لكن بصره تعلق بالشخص القادم اليه مبتسما ...
حدق الشابين فى يوسف المنهك الذى جلس بجوارهما و اسند ظهره الى الحائط و اغمض عيناه فى رضا و هو يقول ...
( الحمد لله الحمد لله ... حمد الله على سلماتكم يا ابطال ... )
لم يردا رغما عنهما و هم ينظرون اليه فى عجب ...
فتح عينيه مبتسما ثم قطب حاجبيه مداعبا ...
( ايه يا رجاله بتبحلقو فيا كدا ليه )
( انت مش كنت معانا فى شارع عرابي؟ )
ابتسم يوسف بهدوء و هو يقول ...
( اه طبعا )
( امال ازاى جينا لاقيناك هنا؟ )
( خدت تاكسي )
قالها ثم ضحك ضحكة مرحه صافيه ...
( يوسف متهزرش انا بتكلم بجد )
( ايه بس يا ابو عادل حلمك عليا ... )
( بجد يا يوسف انت مش كنـ ... )
بتر عبارته عندما علا صوت المؤذن ... يؤذن للصلاه
فوضع يوسف سبابته امام شفتيه و قطب جبينه فى مرح و هو يهمس ...
( هسسس ... المغرب ... )
انتهى الاذان واصطف الرجال للصلاه ...
حقا انها لصلاه مليئه بالخشوع تلك التى تكون بعد معركه كهذه ...
انهى الجميع الصلاه و كانت الشمس قد بدات في الرحيل ...
بحث عادل عن يوسف بتوتر شديد فلم يتبين له اثر ...
شيئا ما دفعه الى هذا البحث ...
تقدم من احد الظباط الذى كان يختم صلاته ...
( حرما يا فندم )
صافحه الظابط بحراره ..
( جمعا يا بطل )
( يافندم سؤال بس معلش ... )
( انت شوفت الشاب اللى فجر القسم؟ )
( اه طبعا )
( تعرفه؟ )
( لا معرفوش بس هوا شكله مش غريب عليا )
وانهى عادل الحوار معه مبتسما ... وانتقل الى اخر و قد انضم اليه رمزي ...
حتى قابل ذلك الرجل ...
كهل اشيب وقور ... ملامحه مالوفه ...
ساله عادل السؤال ذاته بفتور فصمت الرجل و شرد..
تبادل عادل و رمزى النظرات ...
( ايوه اعرفه ... )
ظهرت اللهفه على وجووهم وهم عادل بان يعقب لولا ان تكلم الرجل ...
( دا ابني ... )
لم يدرى عادل لماذا صدمته الاجابه ...
بالطبع يوسف ابن احدا ما ...
لكنه صدم ...
( ربنا يباركلك فيه يا حاج دا انسـ ... ... )
تنهد الرجل مقاطعا كلامه ودمعت عيناه ...
( الله يرحمه ... )
فغر عادل فاه مصعوقا وسرت قشعريره بارده فى جسد رمزي و بصعوبه تحدث ...
( الله يرحم الحى و الميت يا حج ... دا كان لسه قاعد معانا من شويه ... )
ابتسم الرجل ابتسامه باهته و نظر اليه بحنان وقد تكاثرت الدموع فى مقلتيه ...
( ماهو كان من دورك يا بني كده ... الله يرحمه ... )
حدق الشابين فى بعضهما البعض بذهول و تلعثمت الكلمات على شفتيهما ...
( يا حاج يو..يو ... يوسف اللى فج ... جر القسم ... دا لسه شايفينه و هو بيتوضا عشان يصلي ... )
ابتسم الرجل من بين دموعه و نهض مودعا و هويقول ...
( عمره مافوت فرض ابدا ... الله يرحمه يارب ... )
مضي الرجل و تركهما فى ذهولهما ...
مضت دقائق من الصمت الثقيل بينهما حتى قال رمزى ...
( عادى عادى ... الحاجات دى بتحصل كتير ... واحد ابنه مات ... شاف يوسف ... عجبته شجاعته ... تصور انه ابنه ... )
قالها بتردد لكن شيئا بداخله لم يصدق هذا و كذلك عادل ...
و بعد فتره بدا الجميع فى الانسحاب ... الى مخابئهم ... مخلفين ارض المعركه ورائهم ...
كان الغروب قد تلاشى تقريبا مخلفا ورائه سماء لا تكاد تميز فيها الحمره ...
ضوء خافت بعيد يحدد جبل عتاقه القريب ...
و يلقي على المدينه ظلال مهيبه ...
وقبل ان يتوارى الجميع فى مخابئهم ... دوى ذلك الصوت ...
( الله اكبر ... الله اكبر ... الله اكبر ... )
توقف الجميع مشدوهين واستدارو الى مصدر الصوت العميق الذى تردد صداه فى المدينه الخاويه و وقع كالموت على اليهود المنكمشين ...
كان الضؤ ياتى من خلفه خافتا ..مشربا بحمره الغروب ...
لا يكاد يحدد ملامح جسده الممشوق ...
هناك ...
فوق احد المبانى المهدمه ... وقف شابا يحمل علما و مدفع ...
يرفعهما و هو يردد التكبير مرارا و تكرارا بصوت عميق رخيم كانه قادم من بئر سحيقه ...
سرت موجه من النشوه و الدموع بين الرجال ... يتطلعون دامعين صامتين الى ذلك الذى يرفع العلم و يهتف بقوه و ثبات ...
و التفت رمزى رغما عنه الى الكهل الذى كان يبكى و يجاوره ...
فوجده قد اجهش بالبكاء وهو يتمتم ...
( الله يرحمك يابنى ... الله يرحمك ... )
لم يدرى عادل لماذا دمعت عيناه و احتضن الكهل بقوه ثم اجهش بالبكاء و هو ينظر الى ذلك الشاب الرافع للعلم ... ظل ينظر اليه حتى ذاب فى الظلام ... كانه لم يكن هناك ابدا ... .
اندحرت القوات الاسرائيليه ...
لم تتمكن من احتلال السويس بعد ان تكبدت خسائر فادحه ...
عاد من عاد من اليهود من السويس مذعورا مرتعبا و دخل الكثير منهم مصحات نفسيه ...
وجد العقيد آرييه مختبا فى احد البنايات وتم اسره ...
فقد العقيد جابى راسه فى بدايه المعركه ...
عاد الجنرال ادان بخفى حنين من معركه السويس ليلحق بزميله الفاشل شارون ... و ليحكى لجولدا مائير كلاما مخيفا عن تلك المدينه التي ذاق فيها جنوده الخوف و الرعب ... .
مدينه الاشباح ...
بسم الله الرحمن الرحيم
( ولاتحسبن الذين قتلو فى سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون )
صدق الله العظيم
***********************************************************************************************************
*معظم احداث القصه حقيقيه
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق