( انا مش سامع حاجة )
قالها هامسا و هو يضع احدي اذنيه علي الارض الرمليه و يقطب حاجبية ... ..
( جايز تكون الاشاره غلط؟ )
( مش ممكن ... )
( يعني ايه مش ممكن ... ماهو برضو اللي بيتقال ده ما يدخلش العقل )
( ... ... ... . )
( طب انت سامع اي حاجة؟ )
( ... ... ... ... )
قبض على سلاحة بتوتر شديد و هو يجول ببصره في الجبال من حوله ... .
( انا مش سامع اي حاجة يا فندم ... )
نظر النقيب “عصام” الي الجندي في قلق و لم يعقب ... ..دارا على عقبيهما و عادا الي المعسكر الصغير ... .
نهض الجنود يستقبلونهم بتوجس و بصمت شديد ... ..
جلس النقيب “عصام” ارضا و القي سلاحة بجواره و شرد بعيدا و لم ينطق ... .
تبادل الجنود النظرات القلقه ... ثم تنحنح رجلا بدا عليه انه الاكبر سنا بسبب تلك الشعيرات البيضاء التي تلون رأسه ... .
( خير يا فندم؟ )
نظر اليه النقيب “عصام” بحيره و لم يرد ... .
( اتأكدتم يا فندم؟ )
كان صوته الهاديء الوقور يبعث قدرا ضئيلا من الراحة في نفس “عصام” ... .
نهض ... تنهد ... .قطب حاجبية و أطرق قليلا ثم قال ... .
( احنا مش سامعين حاجة و لا شايفين حاجة ... .احنا معزولين عن العالم ... .الاشاره اللي جاتلنا من القياده بتأكد ان احنا لازم ننســ ... .. )
بتر عبارته و لم يكملها و لمعت الدموع في عيناه بغته و احتقن و جهه ...
تكلم الرجل الهاديء مره اخري و قال ...
( لازم نعمل ايه يا فندم؟ )
نظر اليه “عصام” بعينين دامعتين و قال بعد وقت ...
( لازم ننسحب يا “عبد العليم “... )
لم يتمالك دموعه بعدها فأدار وجهه بعيدا ... ..
كان الظلام قد حل تقريبا و الرؤيه شبه متعثره ... لكن “عبد العليم “-الصول الخبير-كان يستطيع ان يري الحسره في عيون الرجال ... .و يستمع الي صوت دموعهم الصامته ... .
رفع “عبد العليم “رأسه و استنشق الهواء الدافيء بعمق و اغمض عيناه ... ..
ظل صامتا لفتره ثم ابتسم ابتسامه باهته اخفاها الظلام ... ..
( مهما حصل يا سيادة النقيب ... مانقدرش ننسحب ... )
توقفت الهمهمات الحزينه التي كانت تسري بينهم و انتبهو جميعا ...
( دي اوامر ... .ال ... قيا..دة يا “عبد العليم “و احنا لازم نن..فذ..ها بالحرف ... دا ممكن يكون انسحاب تكتيكي لان القيـ ... . )
( لا يافندم دا مش انسحاب تكتيكي ... دي هزيمه ... )
قالها بهدؤ و ثقه و لولا الظلام اشاهدو ابتسامته الباهته الحزينة ... .
ساد الصمت مره اخري و رددت الجبال صوت ذئب يعوي عواء حزينا طويلا من بعيد ... .
( يعني ايه؟ )
قالها النقيب “عصام” بصوت مختنق ... .
( يعني احنا انهزمنا يا فندم و الجيش انسحب ... .. )
( انت ايه اللي عرفك انت يا صول “عبد العليم “انت بتنجم؟ )
قالها احد الجنود بحده ... .
اتسعت ابتسامه “عبد العليم “التي يخفيها الظلام و قال بنفس الهدؤ ... .
( انا مابنجمش يا “مرعي” ... )
خيم الصمت عليهم مره اخرى حتي تكلم هو من جديد ... .
( ماينفعش ننسحب باي حال من الاحوال يافندم حتي لو كانت ديه الاوامر ... . )
لم يجيبه النقيب “عصام” فواصل ...
( بورفؤاد في ضهرنا ... .لو انسحبنا هاتروح في الرجلين ... .. )
انفجر جندي اخر في غضب و هو يقول ... .
( ياخي تف من بقك ... تروح في الرجلين ايه و هباب ايه ... هما يعني اليهود ولاد الكلب دول هايوصلو لحد هنا ... . )
( هما وصلو فعلا ... )
قالها “عبد العليم “بهدؤ ولكن بصرامه قاطعه هذه المره ... .
( يعني ايه يا صول “عبد العليم “... .احنا جيشنا اتهزم..مش.ممكن طبعا ... دا الريس قال ان احنا هانرمي اسرائيل في البحر و انا بقـ ... ... )
ابتلع ما تبقي من عبارته عندما شق الصمت صوت هدير محركات ضخمة آتية من بعيد ... .
التفت الجميع الي مصدر الصوت مشدوهين ...
كانت اضواء كثيره تقترب من بعيد ... .
( دول ... دول شكلهم كده الفرقه اربعه و خمسين مشاه ... هما اقرب ناس لينا هنا في “رأس العش” ... )
قالها الجندي “مرعي” بتوتر و رفع يديه فاجاه و هو يهتف ...
( هنااااا ... هنا يا رجاله ... . )
قبل ان يخفض يديه ...
انهمرت الرصاصات علي المكان فاجاه و بغزاره شديده ... .و لكن النقيب “عصام” قفز بسرعه ليخفض رأس “مرعي” و يسقطه ارضا ... ..
و صرخ “عبد العليم “...
( مكانك ... كل فرد ياخد مكانه ... )
انطلق الجنود الثلاثين الي مواقعهم مندفعين مابين الصدمة و الخوف و الذهول ... ... .و الرصاصات تنهمر علي المكان بغزارة ... .
تعثروا ... .قاموا ... سقطو ا ثم قامو ... .
مرقت بجوارهم رصاصات الموت الشرسه ... ..
كانو مختبئين في رعب ... .قابضين على اسلحتهم كانهم يحتمون بها من الفزع ... ..
تدور عيونهم في محاجرها ... يتبادلون النظرات الخاويه المذعوره ... .
و خيم على أرواحهم شعور واحد ... .
إنها النهاية ... .
النهايه المروعة التي لم يرغب أحدا منهم بها ... .
قد تخطىء لو ظننت ان رهبة الموت و الخوف منه هو ما كان يسيطر عليهم وقتها ... .
لا ...
صدقني ... .
كل الخوف و الذعر و الحسرة ... كانت على ضياع الحلم ... ...
انه شعور مروع ... .يتضائل بجواره الخوف من الفناء و تتضائل بجوارة كل المشاعر الاخرى ... ..
التفت “عبد العليم “الي النقيب “عصام” و صرخ و هو يحمي رأسة من الرصاص ... .
( الهاون يا فندم ... الهاون بسرعة )
و علي الرغم من الصدمه ... نهض “عصام” بشجاعه و انطلق في مسار متعرج و هو يطلق الرصاص عشوائيا و قلبة يخفق بشده حتي وصل الي موقع المدفع الهون و شرع في تركيب الطلقه بسرعه ...
التفت “عبد العليم “مره اخري الي “مرعي” ...
( “مرعي” ... “مرعي” ... خد عبدالله و احمد و اجهز بالاربي جي بسرعه ... . )
لكن “مرعي” لم يتحرك ...
كان متسمرا في مكانه يرتجف ... ينظر اليه بعيون خاوية و انفاسه تتلاحق ... .
رفع ال”عبد العليم “راسه بحذر من مخبئه و القي نظره خاطفه علي المدرعات التي اقتربت كثيرا ... .ثم انطلق كالسهم و القي نفسه بجوار “مرعي” ... ..
امسكه من تلابيبه بقوه و هزه بعنف ...
( عسكري “مرعي” ... .فوق يا عسكري ... ..فوق ... . )
كان “مرعي” ينظر اليه بعيون ذاهله، ... .
هوي “عبد العليم “على وجهه بصفعه جباره زلزلت كيانه فدفعه “مرعي” بحده و هو ينفجر باكيا ... .
اشار اليه “عبد العليم “بصرامة ... .
( قوم يا عسكري خد موقعك على الاربي جي بسرعهههههه ... .. )
تسمر “مرعي” قليلا ثم مالبث ان انطلق زاحفا ليلحق بزميله احمد و يتخذ موقعه ... .
كانت بقية السريه قد اتخذت مواقعها بالفعل و ان كان الخوف مازال مسطرا علي الجميع ... .
توقفت الرصاصات قليلا و دوي صوت يتكلم بالعربيه ... .
( الرائد "يتسحاق موردخاي" يتكلم ... .سلم نفسك ... كل الجنود و الضباط ... .القي سلاحك ... . )
كان الظلام سائدا الا من الاضواء الكاشفة التي يسلطها اليهود ... .
و علي ضوئها اشار “عبد العليم “الي النقيب “عصام” ان ينتظر ... .
( جيش مصري ... انهزم ... .كله ... .انسحاب ... .مفيش فايده من المقاومه ... )
همس “عبد العليم “الي جندي يرقد علي مقربة منه ... .
( “فتحي” ... “فتحي” ... انت شايفه؟ )
( لا يا فندم ... مش شايفه ... بيت،،بيكا ... لم من جوا الدبابة )
قالها مرتجفا ...
اشار “عبد العليم “الي “عصام” بيده ...
حمل “عصام” القذيفة داخل الهاون و احكم توجيهها ثم سد اذنية باصابعه و انبطح ... .
ساد الصمت للحظات الا من صفير مميز ... .
ثم ...
دوي انفجار هائل بين الجنود الاسرائليين ... .
و تعالي صوت صراخهم ... .
هنا قفز “عبد العليم “من مخبئة فاجآه و هو يصرخ و يشير بيده ... .
( “مرعي” “مرعي” ... . )
قالها و هو يفتح النار علي الجنود وجها لوجه ...
و قبل اتن تتم صرخته ... .انفجرت دبابة اسرائلية بغته بعد ان اصابتها قذيفة “مرعي” ثم انفجرت عربه مصفحة بعدها بثوان ... ..
اشار “عبد العليم “الي بعض الجنود المتمركزين في مكان مرتفع ... .
( ابراهيم ... النور يا ابراهيم ... )
قالها و قفز محتميا بالصخور بعد ان انتبه اليه الاسرائليين و امطروه بالرصاص ...
و في ثواني ... .فتح الجندي ابراهيم نيران مدفعه الماكينه ليدمر المصابيح التي تمنح العدو رؤية جيده ... .و احصي عددا من الجنود الذين تعالي الصخب بينهم ... .و تراجعو متخبطين ... .
عض الرائد “يتسحاق” على شفتيه و زمجر و هو يحتمي داخل دبابته ...
( زائيف ... .زائيف ... .اامر اوغادك بالتراجع و حاصرهم بالدبابات ... .ابيدو هؤلاء الملاعين ... لقد سقطت سيناء كلها في ايدينا و لن توقفنا مجموعه من الفئران ... هيا )
تراجع الجنود بسرعه محتميين بالدبابات التي تقدمت لتحاصر الممر الممتد بين تلين مرتفعين ... ..
زحف “عصام” من مخبئة و هو يجر المدفع الهاون الثقيل و يصرخ في الجنود ... .
( خنادق ... خنادق ... بسرعة )
و في لحظات كانو جميعا دخل خنادقهم المتفرقة المعده مسبقا ... ..
و انهالت القذائف ... .كالجحيم ... .
و هم يسدون اذانهم بايديهم ... ..وكل منهم لا يزال غير مصدق لما يحدث ... .
و تدور في رؤوسهم افكار شتى و خيالات مخيفة ...
متقطعه انفاسهم ... .يرتجفون ...
و استمر القصف ما يزيد عن الساعه ... .تساقطت الاحجار فوق الخنادق ...
ولولا رحمة الله لقضي الامر ... .
و اخيرا توقف القصف ... و ساد الصمت الا من حركة اقدام خفيفه ... .
و ادرك الجميع ماذا يعني ذلك ... .
همس “عصام” ...
( “عبد العليم “... دول بدأو الهجوم ... .. )
اومأ “عبد العليم “برأسه متفهما ثم نظر الي الرجال السته الراقدين بجواره في الخندق ... .
( رجاله ... .حد فيكو شايف بقيه السريه من مكانه؟ )
تطاول افضلهم موقعا بعنقه في حذر ثم قال ... .
( لا يا فندم ... و جهاز اللاسلكي الناحيه التانيه ... .مش هانقدر نوصله )
تنهد “عبد العليم “بعمق ثم نظر الي “عصام” نظرة ذات مغذي ... دامت للحظات ... .
قبض علي سلاحة ... .
نظر الي رجاله ... ..
( رجاله ... .احنا الوحيدين في السريه اللي شايفين اليهود من موقعنا ده ... مش هانقدر نتصل بالباقي ... )
صمت قليلا ... نظر في عيون رجاله المشدوهين ...
( لازم نوقفهم ... باي ثمن ... )
خفضو رؤوسهم الي الأرض ... قبضو علي اسلحتهم ... . و لم يعقبو ...
لم يعرف هو ... اهم معه ام لا ... ..
نظر الي “عصام” ... الذي تكلم ببطيء ... .
( 1،،،،،2،،،،،،3،،،،، )
نهضا من مخبئيهما فاجاه صارخين ... .
( الله اكبر ... )
و بشجاعه نادره فتحا النيران علي الجنود المتقدمين ... .
و في ثواني ...
نهض الجنود الثلاثين كل من موقعه ... .
تحول المكان الي جحيم ... ..
و تراجع اليهود في تخبط و هم يحاولوون تحاشي النيران ... .و يبادلون اطلاق النار ... ..
قفز “عبد العليم “من موقعه و هو يبدل خزانه مدفعه في صرامه و هبط من مكمنه الآمن المرتفع بسرعه ليصبح امام الجنود المتراجعين مباشره و الذين فوجئو به ... .
و ان كانت مفاجاتهم لا تقل شيئا عن مفاجاة رفاقة ...
فتح النيران عليهم وجها لوجه و كانه يبغي الموت او لا يبالي،،،،
اختبىء احد قناصة اليهود بسرعه و مهاره ... .ثبت بندقيته علي كتفه جيدا ... ..نظر في العدسه التي تعمل بالاشعه تحت الحمراء ...
كان “عبد العليم “في منتصف الدائرة ... .
و قبل ان يعتصر اصبعه الزناد شهق بقوه عندما هوت على عنقه طعنه قويه و سقط ارضا ...
و من فوقه نهض “مرعي” ... .ممسكا بالسنكي و مواجها الجنود الاسرائليين بعد ان نفذت ذخيرته وهو ينظر اليهم بمزيج من من الخوف و التوتر و الغضب ...
ادارو مدافعهم اليه بسرعه و اغمض هو عينيه ... .
و لكن بقيه الجنود المختبئين في خندق “مرعي” برزوا لهم بغته و انقضوا عليهم ليمطروهم بالنيران من اعلي التل ... ..فارتبك الجنود و تخبطوا و هم يتراجعون ...
و افاق “مرعي” من جموده فجذب اقرب الجنود اليه و سقط معه ارضا و هو يحاول طعنه بالسنكي لكن الجندي القوي قبض بيده علي يد “مرعي” ثم ضربها بالصخور فاجبره علي تركه ... ثم استل مسدسا صغيرا من حزامه و اطلق عليه النيران ... .
انتفض “مرعي” بعد ان اصابته الطلقه في كتفه ...
نهض الجندي بسرعه و هو يتراجع محاولا اللحاق بزملائه الذين فرو لكن “مرعي” قبض علي ساقه باصرار ... .فوجهه اليه الجندي المسدس مره اخري ليقضي عليه ... .الا ان يدا فولاذيه رفعت يده الممسكه بالمسدس في الهواء و قبل ان يستدير ليواجهه خصمه ... هوى الخصم على راسه بضربه راس كالمطرقه ... فترنح الجندي و سقط سلاحه ... و لكن ضربه اخري من نفس النوع اصابت فكه فسقط فاقد الوعي ... .
حمله “عبد العليم “علي كتفه و هو يصرخ ...
( احمد ... ابراهيم ... شيلو “مرعي” بسرعه ... . )
انطلقا يحملا “مرعي” و تواري الجميع في الخنادق مره أخرى ...
و في دبابته صرخ “يتسحاق” بغضب و هو يتحدث في اللاسلكي ... .
( ماذا تعني يا شامير ... ماذا تعني،،،،اتضلنونني؟ ... .قلتم لي ان هناك سريه واحده تحمي ذلك الممر ... و انا اري امامي اكثر من كتيبه في المكان ...
لقد فقدنا دبابتين و عربه مصفحة و عدد من السيارات الجيب و لا اعلم حتي الان الخساءر في الافراد ... .ماذا يعني هذا ... .؟ لماذا لم تخبروننا؟ ... . )
( شامير ... .اقصفو المكان بالطائرات،،،،و بسرعه ... . قبل ان يصل هؤلاء الاوغاد اي دعم ... )
قالها ثم اغلق اللاسلكي بعنف و خرج من دبابته ليتفقد جنوده ...
اتسعت عيناه في غضب و دهشه ...
كان جنوده مابين قتيل و جريح ... .
اكثر من مائة جندي راقدين امامه يأنون،،،،
( يالهي ... يالهي ... .ماهذا ... .ماذا يحدث بحق الجحيم ... )
( انه كمين سيدي القائد ... انهم كثيرون للغايه و يملكون مناظير للرؤية الليله ... .اعتقد يا سيدي انهم يزيدون عن المائة مقاتل او اكثر ... )
عقد “يتسحاق” حاجبية بشدة و التفت الي الممر المظلم الخاوي من الحركة و لم تكلم ...
فقط ارتجفت شفتاه غضبا ... .
( سيدي.. )
التفت الي مساعده ...
( هناك ... هناك اس..اسير ... )
( عظيم ... احضروه الي حتي استجوبه و نعرف كم مقاتلا لديهم ... )
خفض الرجل راسه في خجل و قال ...
( سيدي ... لديهم اسير لنا ... لقد اسرو موشى )
حدق فيه “يتسحاق” بغضب و ذهول و عجز عن الكلام للحظات ثم مسح وجهه بكفيه و سار مبتعدا و هو يحدث نفسه ...
( اللعنه..اللعنه و الف لعنه ... لماذا احاط دائما بالاوغاد و الفشله ... ماذا سيقولون في القياده الان ... )
كل زملائك نجحوا في مهامهم و سوف ينسب النصر اليهم ... الا انت يا “يتسحاق” ... )
كان قد بدا يحدث نفسه بالفعل كانه يهذي ...
ثم توقف فاجاه و استدار بغضب الي مساعده ... .
( لاااااااااااااااا لاااااااااا ... لن يكون ذلك ... )
صرخ بها بشده ... .
( اجمع كل القوه الان ... و بسرعه ... .هياااااا )
( سيدي الجنود متعـ ... )
قاطعه صارخا ... .
( هراااااااء ... هراء ... اننا في حرب ايها الاوغاد ... حرب ... حرب مقدسه ... هيا اجمعهم ... )
صمت لياخذ نفسه ثم صرخ
( بسرعععععععععه ... )
انطلق مساعده يهتف في الجنود بدوره ليجمعهم ... .
و في دبابته تحدث “يتسحاق” في اللاسلكي ...
( نعم يا شامير ... مثل ما سمعت ... كتيبه مظليين كامله ... بكامل عتادهم ... . )
( ... ... ... . )
( شامير ... قلت لك انهم كثيرون و مسلحون و الامدادات تاتيهم باستمرار ... )
( ... ... ... )
( لا لا..محال ... .انا اريدهم في اقل من ساعه ... . )
انهي المحادثه و زفر في غضب ... ثم الق نظره من منظار الدبابه علي المكان ... .
( حسنا ايها الفئران ... .سوف نري اي عناد يمنعكم من التسليم ... )
انفتحت كوة الدبابة و اطل منها وجهه مساعده المرتبك ...
( سيدي ... الجندي الاسير لديهم ... .ماذا بشأنه ... )
نظر اليه “يتسحاق” بغضب..
( انها حرب ايها الملازم ... حرب ... نضحي فيها بكل شيء من اجل الوطن )
حدق فيه مساعده بمزيج من الشك و التوتر ثم اغلق الكوه و انصرف ...
( جبناء ... )
قالها بتوتر و هو يعاود استكشاف المكان ... .
و في الخندق ... .
تجمعت السريه حول الجندي موشى الاسير ...
تلاقت نظرات الكراهيه لاول مره ...
حقد متبادل و غضب ... .
صمت عميق يلف الجميع ...
و هم يتطلعون اليه في الظلام علي ضوء كشاف صغير،،،يلقي علي المكان و الموقف ظلال رهيبه،.،،،
تعالت صوت انفاس موشى و هو يجيل بصره بينهم بتوتر بالغ ... .
( بدي ماي ... )
قالها باللهجة الفلسطينية ... .
مازالو يتطلعون اليه في صمت ...
( هاتلو شويه ميه يا احمد ... )
قالها “عبد العليم “بهدؤ ... .
نظر اليه احمد بغضب ...
( و عهد الله ما يدوقها من ايدي ابدا ... لا يا عم “عبد العليم “ ... لا )
التفت “عبد العليم “الى “عصام” فاشاح بوجهه في غضب ...
تحرك “عبد العليم “ و صب له بعض الماء و ناوله اياه فجرعه اليهودي مره واحده ...
ثم ابتلع ريقه و عاد ينظر اليهم ...
اشار لهم “عبد العليم “ فتركوه وحيدا في الظلام و تحركو بعيدا ...
ابتعدو مسافه كافيه ثم جلسو ارضا ...
( “عبد العليم “... القياده بعتت اشاره الانسحاب ... هانعمل ايه ... )
قالها “عصام” بحذر ...
صمت “عبد العليم “و لم يرد ... و شرد ببصره بعيدا ... .
استنشق الهواء بعمق و اغلق عينيه ...
ذابو جميعا في الصمت ... .
كان وحده يرى ... .
من موقعه ...
اعلى النخله الطويله الشامخة في قريته ... .
يرى كل شيء بوضوح ... .
او هكذا يشعر ...
حتى عندما كانت امه تناديه بيأس،،،،( يا وله يا “عبد العليم “... انزل يا واد ... .بتعمل ايه فوج النخله يا وله ... .بدري عليك طلوع النخله يا ضنايا ... .حاسب لاتوجع ... . )
لم يكن يستمع اليها ... .
السعاده تغمره ... من مكانه فوق النخله ... يشعر بانه يرى كل شيء ... يعلم كل شيء ... .
كل اصدقائة الاطفال يحاولون اللحاق به و ينادونه ... و هو ينظر اليهم بفرحة و انتصار و شفقه و هم يحاولون الصعود ...
و يسقطون ...
و يبقي هو ... .
ييأسون و يعودون الي ديارهم ...
و يبقي هو فروق النخلة ...
حتي عندما كان شابا يافعا ... .
كان يقضي جل اوقاته فوق النخله ... .
معلقا،،،
ينظر الي السماء و الحقول الخضراء امامه ...
يتنامى بداخله شعور غريب ...
شعور قوي ...
انه يعرف ...
يعرف كل شيء ...
يرى كل شيء ...
لفح الهواء الساخن وجهه ففتح عينيه ...
ظلام دامس يلفه ...
و ثلاثين جندي من حوله ... .
لم يقاتلو من قبل ... .
لم يقتلو من قبل،،،،،
جرحت اصوات الرصاصات خوفهم البكر من القتال ... .
ينظرون اليه ...
ينتظرونه ...
و السؤال المعلق ...
( ماذا سنفعل؟ )
( مش هايعدو من هنا ابدا يا رجاله ... . )
قالها بعمق و قوه ...
تطلعو اليه في الظلام ... .
( مش هاياخدو “رأس العش” ... .هاتفضل “رأس العش” في ايدينا للنهايه ... )
قالها ثم نظر اليهم ...
( معايا يا رجاله )
و بدون ان يفكرو فيما قالو ...
قالو ...
( معاك ... )
قالوها بعفويه..و اصرار ...
لم يفكرو حتي في العواقب ...
دوي صوت بارد يشق الصمت ... .
صوت معدني ... .
هدير شديد ...
( سكاي هوك ... .ثلاثة ... )
قالها “عصام” و هو ينظر بمنظاره المعظم،،،،،
تطلع الجميع الي الطائرات الثلاثه التي تحط علي مقربمن الممر ... .
و تبادلو النظرات المتوتره.، ...
( دي فرقه المظليين الاسرائيلية ... . )
قالها الجندي احمد بتوتر بالغ ...
تبادلو النظرات العميقة و ان استقرت نظراتهم عند “عبد العليم “في النهاية ...
( هااااايي ... انتم ... راح ياكلوكم اكل ... )
التفت الجميع بغضب الي الجندي موشى الذي هتف بالكلمات بهيستريا و هو يضحك ... .
و في ثواني كان احمد و ابراهيم عنده و انهالو عليه ضربا و صفعا و ركلا و هو يقاومهم بلا جدوى ...
و لكن “عبد العليم “ببنيته القويه حال بينهم و بينه و هو يدفعهم بقوه ...
( اهدو يا رجاله ... صلو عالنبي ... . )
توقف الشابان في غضب و هما يلهثان في توتر.،. و يكيلون له السباب ... .
ابعدهم “عبد العليم “عنه و عاد اليه يتفحصه ... .
كان مصابا بجرح عريض في خده الايسر بعد ان ركله احدهم ركله عنيفه ...
كان يرتجف ...
ادار “عبد العليم “خده اليه و القي عليه نظره ...
( “فتحي” ... اديني شنطة الاسعافات ... )
تسمر “فتحي” قليلا ... فزمجر “عبد العليم “...
( اخلص يا “فتحي” ... )
ناوله “فتحي” الشنطه فشرع يضمد جرح موشى ... في سرعه و مهاره.،..
و الجندي ينظر اليه بخوف و غضب ...
لا يفهم ماذا يحدث ... .
أنهي “عبد العليم “عمله بسرعه و مهاره ثم نهض الي رجاله ... .
( اسمعوني كويس يا رجاله ... انا عندي خطه محدوده ... نقدر بيها نقاوم لحد ما يبعتولنا الامدادات ... )
كانت عيونهم معلقه به ... و قلوبهم ايضا ...
ابتعدو بمسافه كافيه عن الاسير و بدأ يشرح لهم في سرعه ... .
هبطت المروحيات الاسرائيلية الثلاث و اخذ الجنود يقفزون منها في سرعه و حماس و ينتظمون في صفوف ... .
و خرج “يتسحاق” من دبابته منتشيا و ان اخفى ذلك ...
ورسم على وجهه الغلظه ... .
( سيدي ... النقيب “افرام” جوش ... الفرقه السابعه مظلات في خدمتك )
قالها قائد الفرقه الشاب الفارع ... .
تفقد “يتسحاق” الجنود ببصره صامتا ثم ما لبث ان قال ... .
( الليله ... سننهي هذا الامر نقيب “افرام” ... . )
تطلع في عينيه بعمق ...
( الليه ... )
شد “افرام” قامته الفارعه و القي نظره بارده علي الممر ...
( كما تأمر يا سيدي ... لقد اعددنا خطة مبدأية ... .لو اذنت لي لاطلعك عليها ... )
( بالطبع ... .. )
فرد “افرام” خريطه صغيره للمكان علي السياره الجيب القريبه و بدا يشرح ... .
ثلاث ساعات مضت ... غرق المكان فيها في الصمت التام ... .
حتى ليخيل لك ان السلام قد حل سريعا ...
وفي هدؤ تسلل عشرات الجنود الإسرائليين مستترين بالظلام ليلتفو من الجانب الايسر للممر الذي كان هادئا للغايه ... .
و اختفو خلف الصخور الكبيره المتناثره على جنباته ... .
لحق بهم النقيب “افرام” قائدهم و رقد بجانبهم بسرعه ... .
فتح جهاز اتصال ...
( ابدأو القصف عند اشارتي ... . )
قالها بسرعه و حسم ثم التفت الي جنوده ...
( كل منكم يعرف دوره ... اعلم انها ليست بالمهمه السهله ... و لكنها من اجل الوطن ... . )
تالقت عيون الجنود في حماس شديد و قبض كل منهم على سلاحه ... .
و بعد ان اطمئن “افرام” على مواقع جنوده و انهم خارج دائرة القصف ... اعطي الاشاره ...
ساد الهدؤ لثواني قليله قبل ان تسطع السماء بضؤ مبهر و تنهمر القذائف على المكان ...
استمر القصف العنيف لمده ربع ساعه شاركت فيه المروحيات من بعيد ... .
و ما ان توقف القصف حتي زحف جنود “افرام” من اسفل الى اعلى الممر في سرعه و مهاره و تخلف عدد منهم لتأمين الزحف ...
وصلو الي القمه بسرعه ثم تسلقو هبوطا حتي وصلو الي الارض و اتخذو تشكيلا قتاليا ...
لم يكن الظلام يعيقهم بالطبع فقد كانو يرتدون مناظير الرؤيه الليليه ... و التي احالت المكان الي نهار ... .
تقدم “افرام” بمجموعه من جنوده ليستكشف المكان الذي بدى خاليا تماما ...
توغل “افرام” اكثر الي قلب المكان و هو يرهف السمع و يدير عينيه حوله بحذر شديد ...
استغرق الامر وقتا اطول من المتوقع و لم يظهر اي اثر للجنود المصريين ...
قسم “افرام” جنوده اربعه فرق لتمشيط الممر و انطلقو ...
و بعد اكثر من نصف ساعه ... لم يجدو احدا ...
كان المكان خاويا تماما ...
استدعى “افرام” احد جنوده ... .
( يعقوب ... تقفي اثرهم بسرعه ... )
انطلق يعقوب يبحث في المكان بعنايه وحده ... . و الجميع يتابعونه بحذر ... ..
انحني بعد فتره طويله على احدي ركبتيه و لمس التراب بطرف انامله ثم تشممه ... .
نهض و اتبع مسارا مستقيما و ابتعد ...
ثم عاد مهرولا الى “افرام” ...
( سيدي ... لقد هربو ... .كما ان معهم جريح ... و اعتقد انهم هربوا حتي قبل ان نقصف المكان ... )
عقد “افرام” حاجبيه في شك و هو يتلفت حوله بحذر ...
( اعلم انهم جبناء لكن شيئا ما يحدثني بان في الامر مكيدة ... )
اطلقو النار عشوائيا على كل مكان ... لا تتركو شبرا خاليا ... .هيا ... )
هتف بها في جنوده و هو يسحب أجزاء مدفعه ...
سحب الجنود اجزاء مدافعهم و انطلقو يمطرون المكان بالرصاصات ... .
و من موقعه غمغم “يتسحاق” بقلق ... .
( لقد اشتبكوا ... .ارجو ان يقضو عليهم سريعا ... . )
نظر في منظاره المعظم الي الممر الذي حالت صخوره العملاقه عن الرؤيه ... .
( لقد بدأو بالفعل في تكريم زملائي في تل أبيب ... .يجب ان ينتهي الامر سريعا مهما كلفني ذلك ... )
غمغم بها و هو يخرج ممن الدبابه و يلقي نظره علي المروحيات الثلاثة التي استقرت بجواره ... .و التي منحته شعوا بالامان و التفوق ... .
اما “افرام” فقد اشار لجنوده بالتوقف بعد ان اطمأن الي خلو المكان ... .
خفض سلاحه و تناول جهاز اتصاله ليبلغ “يتسحاق” بالامر ... .
و فاجأه ...
سطع ضؤ مبهر في المكان ... ..
و مع مناظير الرؤية الليلية التي يرتديها الجنود الاسرائيليين ... والحساسه لاقل ضوء كان الامر كمن يغرس مجموعه من المسامير الصلب في عيونهم ...
اطلق “افرام” صرخة الم رهيبه و هو ينزع منظاره ... .و عج المكان بصراخ جنوده المتألمين ... ..
و انتفض “يتسحاق” من المفاجأه و تمتم مذهولا ...
( ماهذا ... ماذا يحدث ... )
و لكن الامر لم يقتصر على ذلك ...
دوت في المكان صرخة جباره ... .
صرخة ثلاثين مقاتلا ...
خرجوا من تحت الارض ... كالعائدون من الموت ...
و لقد تراجع الجنود الاسرائيليين رعبا و هم يرونهم يخرجون من تحت الارض ... ..
و زاد الظلام من هول الموقف فتراجعو متخبطين من الالم و الرعب ... .
و لكن الموت لم يمهلم ...
فلقد فتح الجنود الثلاثين ... كل من موقعه ... .نيرانهم الكثيفة عليهم فتساقطو بدون مقاومه تذكر ... .
و تراجعو متخبطين يصرخون ... ..
و قفز “افرام” محتميا بالصخور و هو يلهث بشده و حاول ان يخترق بعينيه الظلام بلا جدوي ... فقط يرى و ميض الطلقات عندما تصيب جنوده ...
و زحف وحده الى خارج الممر مذعورا لا يدري من اين ياتيه الموت ... .
يزحف بسرعه و لا ينظر خلفه و كان الشياطين تطارده ... .
كان قد وصل الي نهايه الممر ... .فشاهده “يتسحاق” ... .
نظر اليه برعب ... ..فأشار “افرام” اليه طالبا المساعده ...
و لكن طلقه اصابت ظهره و اخري كتفه ... ..
فتوقف عن الزحف ... .
و سقطت يده المرفوعه امام “يتسحاق” المصدوم ... .
و تواصل صراخ الجنود مختلطا بأصوات الرصاص ... .
والتفت “يتسحاق” الي مساعد صارخا ...
( زااااااائيييييف ... ..ارسل المروحيات لتقصف المكان بسرعه ... ... )
نظر اليه زائيف بغضب ممزوجا بالذهول ...
( سيدي ... ان جنودنا داخل ذلك الجحيم ... .سوف يصابون اذا قصفنا المكان ... )
نظر اليه “يتسحاق” بغضب شديد و صرخ ...
( ليس لك الحق ان تعترض ايها النقيب ... .افعل ما تؤمر فقط ... . )
شد زائيف قامته و نظر اليه بغضب اشد ...
( لا يا سيدي ... ساتحمل مسؤليه مخالفتي للأوامر ... لكني لن اوافق على ان نقتل جنودنا من اجل ان ينال شخصا ما بعض النياشين و الاوسمه ... )
حدق فيه “يتسحاق” بغضب شديد ... ثم لم يلبث ان استل مسدسه و صوبه اليه و هو يقول بصوت هادر ... .
( اذن انت تعرف عقوبه عصيان الاوامر في ميدان المعركة ... )
عقد “زائييف” حاجبيه بصرامه و نظر اليه بتحد ...
( اقتلني ... لا أبالي ... )
تسمر “يتسحاق” في مكانه و حانت منه التفاته الي جنوده الذين حملت نظراتهم خوفا و غضبا ... ..
عاد فنظر الى “زائييف” و هم بان يقول شيئا و لكن صوتا هادرا شق المكان بعد ان توقف صوت الصراخ و الرصاص ... .
فالتفت “يتسحاق” بجزع الي الممر و الذي يصدر الصوت منه ... .
و عقد “زائييف” حاجبيه بشده ...
و الهتاف يدوي ...
( صاعقة ... ..مجد،،،،،صاعقة ... .مجد ... . )
و يتخلل الهتاف اصوات اقدام تدق الارض بانتظام ... .و صيحات قتاليه شرسه ... .
( انه الهتاف الخاص بقوات الكوماندوز المصرية ...
قالها “زائييف” ببطء و قلق ... .
خفض “يتسحاق” مسدسه دون ان يشعر ...
ثم لم يلبث ان اتسعت عينيه في ذعر و هو يشير بيده الي الممر ... .
عقد المشهد لسانه فلم يتكلم و كذلك فعل جنوده ...
كانو ينظرون جميعا الي ثلاثه من جنودهم يخرجون من الممر زحفا و هم ملطخين بالدماء ... ممزقه ثيابهم ... .
و تسمر الجميع للحظات قبل ان يقفز “زائييف” مع عدد من جنوده في سياره جيب و ينطلقون اليهم ...
حملوهم بسرعه الى الجيب و هم في حاله من الفزع الشديد و عادو بهم ...
مازال “يتسحاق” متسمرا ... .
ينظر الي الجنود الثلاثة الممددين امامه و هتاف الصاعقة يدوي في اذنيه ... .
اعترت جسده قشعريره بارده و شعر بالعرق البارد علي جبينه ...
تقدم من الجنود المصابين ،،،
( ماذا حدث ... .اين الجميع ... )
قالها بصوت مختنق ...
( لقد قتلوهم سيدي القائد ... قتلوهم جميعا ... .خرجوا من تحت الارض و قتلو الجميع ... . )
قالها احد الجنود بانفاس متقطعه ...
تمتم “يتسحاق” دون ان يدري ...
( خرجو من تحت الارض ... . )
همس “زائييف” الي احد الجنود ... .
( انه يهذي ... .انقلوه الي ليتلقي العلاج بسرعه ... . )
حمل الجنود زملائهم المصابين بعيدا،،،،
حدق “يتسحاق” في “زائييف” بغضب ...
( ماذا الان ايها المتحذلق ... ارأيت ... لو كنا قصفنا المكـ ... . )
( لن اقتل جنودنا بيدي ... .لن يسامحني الرب اذا فعلت ... )
زفر “يتسحاق” في حنق و هو يضرب بيده على السياره الجيب القريبه ... .
( و الان ... ماذا تري ... .نبعث وجبات افطار للمصريين؟ ... .ام ماذا ... ؟ )
القى زائيف نظره على الممر و قد بدأت تظهر تفاصيله مع اضواء الفجر الشاحبه ... .
( عندي خطة بسيطه ... .كنا نستخدمها لصيد الاسود في الكاميرون ... .اعتقد انها ستصلح هنا ... )
نظر “يتسحاق” الى الممر بدوره و انتابته قشعريره بارده مره اخري و لم يعلق ... .
توقف “عبد العليم “و الجنود عن الهتاف لاهثين ...
و تبادلو النظرات المتوتره ...
بدل “عصام” خزانة مدفعه و هو يتمتم في توتر ...
( ربنا سترها المرادي ... الله اعلم هايعملو ايه تاني ... . )
رمقه “عبد العليم “بنظره غاضبه اخفاها الظلام ... .
فارتفع صوت احد الجنود ...
( ممكن يضربو الممر بالطيارت و يهدوه علي دماغنا ... )
تكلم “عبد العليم “بقوه و هدؤ بعد فتره من الصمت ...
( ميقدروش ... )
اثرت كلمته القويه و صرامته القاطعه فيهم فلاذو بالصمت ...
( هما عاوزين يعدو من الممر ده ... ميقدروش يهدوه ... .مافيش قدامهم حل غير انهم يعدو من هنا ... . )
صمت قليلا و صفرت الرياح بين جنبات الممر ...
( و دا مش هايحصل ابدا ... طول مانا عايش ... )
تبادلو النظرات الصامته ... .و كل منهم شارد في عالمه الخاص ...
( يا رجاله ... احنا قدرنا نوقفهم ... و قدرنا نخليهم يهربو زي الفيران المذعوره ... و لسه نقدر نعمل كتير ... )
( حظ ... )
قالها احد الجنود بيأس شديد ... .و ازداد الصمت بعدها ...
( انتو يعني فاكرين ان احنا التلاتين نفر دول هما اللي هايمنعوا الجيش ده كله ... .و يا فرحتي لو اندفنت هنا ... ولا حد هايعرف عننا حاجه و لا الحكومه هاتعبرنا ... .هايقولو كلب و راح ... و بنتي الله اعلم مين هايربيها ... )
عندما وصل الى هذه الكلمات تهدج صوته و اجهش بالبكاء ... ..
اطرق “عبد العليم “و لم يعقب ...
تحدث “مرعي” بصوت واهن ...
( انا بالنسبالي مش فارقه كتير ... .يعني ... يقولو كلب راح كلب جه ... الحمد لله ان انا مقطوع من شجره ... . )
تنهد تنهيده حزينه ...
( هنا ميت و في بلدنا ميت ... . )
اطرق بعدها و هو يغالب دموعه ...
( ممكن تقولي يا عم “عبد العليم “... احنا ليه مانمشيش و نسيبلهم الجمل بما حمل و ننفد بجلدنا ... مش حاربنا و ضربنا و عملنا اللي علينا ... لازم يعني نموت عشان تنبسط )
قالها احد الجنود بصوت متهدج اقرب للبكاء ...
و ساد الصمت من جديد ...
ببطء ..و عمق تكلم “عبد العليم “...
( جايز يا “شكري” تكون عندك حق ... .يمكن محدش يهتم بأمرنا ... .يمكن لما نرجع - دا لو رجعنا- ولا حد يعبرنا ... يمكن انت لو مرجعتش ميسألوش في بنتك و مراتك ... كل ده جايز ... .و انت يا صبحي ... .يمكن برضه يكون عندك حق ... .انت حاربت و ثبتت مكانك و عملت اللي عليك ... و ممكن تكون شايف ان ده كفايه قوي ... بس انا عاوز اقول لكل واحد فيكم كلمه يفكر فيها كويس و بعد كده انتو حريين ... تقعدو او تمشوا ... )
صمت و تنهد بعمق ... .
( لو كل واحد فينا فكر في حاله ... و لقي ان الحسبه خسرانه ... و ساب مكانه و هرب ... .
لو كل واحد فينا عاش حياته كلها شايف الذل من البلد و كارهه عيشته فيها ... ساب مكانه و هرب و قال خلاص ... كفايه عليهم كده انا عملت اللي عليا ...
بنتك انت يا “شكري” هاتتربي في بلد بيحكمها اليهود ...
و انت يا “شكري” هاتعيش عبد طول عمرك ... .دا لو سابوك تعيش ... . )
علا صوته و تحول الي الغضب ... .
( هانعيش كلنا عبيد في بلد بيحكمها اليهود يا رجاله ... .
و حتي لو محكموهاش ... .
هانعيش طول عمرنا عارفين ان احنا كان في ايدينا نعمل حاجه و معملناش ... .
كان في ايدينا نحمي ارضنا و سيبناها و هربنا ...
و لما نشوف النجمه الزرقا بعد كده في اي مكان ... .هانوطي روسنا مذلولين ... و نطاطي ... لان اننا جبنا ... .دا اذا محطوش النجمه ديه فوق بيوتنا ...
انا عندي ست عيال ... .
دوخت عشان اعلمهم و ادخلهم المدارس ... ..
و مقدرتش ... .
عايش في اوضه انا و عيالي السته و بناكل اللحمه في المواسم ... .
وياما لعنت البلد و الحكومه و الدنيا كلها ... .
ايه اللي مخليني ثابتت في موقعي ...
ايه ...
ردو عليا.،،،
الكام ملطوش اللي باخدهم مالجيش..؟
ولا طمعان في تكريم من الريس؟
لا يا رجاله ... .انا واقف مكاني عالارض ديه عشان ديه ارضي ... .
التراب ده من عرقي ... .
و الكلاب الانجاس دول عاوزين ياخدوها مني ...
و انا بقولكم من دلوقتي ... .
مش هافرط فيها ...
مش هافرط فيها مهما حصل )
احمرت عيناه من الغضب و ضم قبضته ... .و نظر اليهم ...
( اللي عاوز يفضل يفضل و اللي عاوز يمشي يمشي ... .انا مش هاتحرك من هنا ... . )
ساد الصمت بينهم جميعا ...
هذه المره صمتا ثقيلا ... خانقا ... .
و بعد فتره من الصمت ...
تناهى الي مسامعهم هدير المروحيات الاسرائيليه تقترب ... .
خفضوا رؤوسهم ... .
تعالت دقات قلوبهم في رهبه ...
حتى هتف “عبد العليم “...
( “عصام” ... .انا عارف هما عاوزين يعملو ايه ... .هما عاوزين يحرقوا المكان ... .لازم نتحرك )
( هتف “عصام” ...
( نستخبى في الحفر اللي حفرناها )
( لا مش هاينفع ... الحراره هتبقي عاليه جدا ... انا عندي خطه تانيه ... .. )
( ايه هيا ... )
لم يرد عليه ... نظر الي الجنود ...
( مين معايا رجاله ... )
ساد الصمت قليلا ثم اجاب كل منهم على حدى و بصوت واهن ...
( انا معاك )
اعاد السؤال بحماس اكبر و هو يهتف ...
( مين معيا يا رجاله )
اجابوه في آن واحد هذه المره ...
( كلنا معاك )
صرخ في قوه ...
( صاااااااااااااعققققققققققققه ... . )
هتفوا من دون شعور كلهم في وقت واحد ... .
( مجد ... .مجد ... مجد )
اعاد الهتاف مره اخري و اهو يصرخ و يرفع مدفعه ... .
( صاااااااااااااااعقققققققققققققه )
ردوا عليه صارخين و بحماس متزايد ...
( مصر ... مصر ... مصر ... )
و صل صوت هتافهم الى “يتسحاق” فجفل ثم بصق ...
( اللعنه ... ماذا يفعل هؤلاء ... )
ثم استدار الى “زائييف” ...
( لقد راينا بعيوننا جيشهم كله ينسحب و يهرب في الصحراء ... ماذا يظن هؤلاء انهم فاعلون ... )
غمغم “زائييف” بسخريه ...
( البعض يبحث عن مجد شخصي حتي في الحروب ... )
رمقه “يتسحاق” بنظره ناريه ... .
ثم قال ...
( اقسم يا “زائييف” ان لم تنجح خطتك هذه لأدك هذا الممر و ادفنهم احياء بداخله.حتي لو لم نعبر من تلك النقطه )
ثم قال في اعماق نفسه ...
( و اقسم ان ادفنك معهم ايها الوغد ... )
نهض “زائييف” من مكانه و ااتجه الي الجنود المصطفين ...
( الامر بسيط يا رجال ... .لن نغامر ... لن نقتحم ... لن نعرض حياتنا للخطر هذه المره ... سوف تقوم طائراتنا بحرق المكان بقنابل النابلم و نحن ننتظر ... اذا خرج الفئران قضينا عليهم ... اذا لم يخرجو فسوف نراقب فقط الشواء ثم ندخل بعد التفحم مفهوم؟ )
قالها ثم راقب ببصره المروحيات و هي تلقى القنابل الحارقه على المكان ... .
و النيران ترتفع و ترتفع ... .
( و الان اروني كيف يعيش الاشباح في ذلك الجحيم ... )
غمغم بها في سخريه ...
و بالفعل ... تحول المكان الى جحيم ... و انفجرت القنابل الحارقه الواحده تلو الأخرى بدوي مكتوم مخيف ...
و عادت المروحيات مره اخرى بعد ان افرغت حمولتها،،،،
و على الفور انطلق “زائييف” مع جنوده ليحيطو بالممر في شكل نصف دائره تحسبا لهروب الجنود المصريين ...
ومرت ساعه ...
و ساعه اخرى ... و بدا الفجر في البزوغ و هم في اماكنهم متوترين ... .
تكلم “يتسحاق” في اللاسلكي ...
( “زائييف” ... اخبرني ... هل انتهي الامر؟ )
( لا اعلم ... لم يخرج منهم احد ... .اعتقد انهم احترقو جميعا او هربو من المعبر الخلفي ... .سنطفىء النيران الان و نقتحم المكان ... . )
اغلق “يتسحاق” اللاسلكي قلقا ... .
و تقدمت سيارت الاطفاء المنجزره لتحيط بالمكان و تبدأ في الاطفاء ... .
و استغرق الامر قرابه الساعتين حتى اخمدت النيران ... .
اقتحم بعدها الجنود الممر بعنف و هم يفتحون لنيران عشوائيا بعد ان امرهم “زائييف” بذلك ...
الممر الذى كان خاليا من اي اثر للحياه ... .
و اقتحم زاذييف من خلفهم هو الاخر وجال ببصره في المكان بسرعه ثم رفع اللاسلكي الي فمه ... .
( “يتسحاق” ... .لقد انتهي الامر و هربوا كما توقعت ... .اخبر القياده و ارسل المدرعات لتعبر الممر ... . )
اغلق “يتسحاق” اللاسلكي بحنق و هو يقول..
( اللعنه ... انه حتى لم يعد يحفظ فرق الرتب ... .اقسم ان ادمر حياته ... . )
قالها ثم فتح جهاز الاتصال ... .
( من الرائد "يتسحاق موردخاي" الي القياده ... لقد فتحت نقطة “رأس العش” و نبلغكم باننا سطرنا قد على الموقف،،،،كما ان النقيب “زائييف” قد اخل بتسلسل القيادات و اسوف القى القبض عليه لاقدمه للمحتكمه العسكريه ... .انتهى )
اغلق الجهاز و نظر الي المدرعا التي تتحرك استعدادا لعبور الممر،،،،
( لن ادعك يا “زائييف” تقتنص المجد ... .حتى لو قتلتك ... )
قالها بحنق شديد ...
اما “زائييف” فقد وقف يراقب المدرعات التي تتقدم لتعبر من الممر و هو يحدث نفسه ...
( لقد نلت المجد يا “زائييف” ... .سيكتب التاريخ اسمك بحروف من ذهب ... . )
و اعترته النشوه حتى انه لم يلاحظ “عبد العليم “الذي كان يتسلق ضخور الجبل هابطا في هدء من خلفه و الذي اختفي خلف صخره كبيره ثم اشار ل”عصام” الذي تسلق هابطا بسرعه بدوره ... ..
كانت السريه بالكامل قد اختبئت في اعلى الجبلين الذان يحيطان بممر “رأس العش” ... ..
و احتملو الحراره العاليه المنبعثه من النيران التي كانت تحرق صخور الممر و ارضه ... .
و بعد ان اطفأ اليهود النيران كما توقع “عبد العليم “... .تسلقو هابطين واحدا تلو الاخر،،،، ليعودو الى موقعهم خفيه ... .
و تقدمت الدبابات الواحده تلو الاخر لتعبر الممر و “زائييف” يراقبهم و هو غارق في احلامه ... .
و ما ان وصلت دبابة المقدمة الى منتصف الممر حتي انطلق صاروخ مصري من بين الصخور لينسف برجها بدوي مخيف انتزع قلوب الجنود من اماكنها و القي ب”زائييف” ارضا ... .
و ساد الهرج و المرج بين صفوف الجنود ...
و فاجأه ... و بشجاعه يندر ان تجد مثيل لها الا في الدماء المؤمنه ... .
هب الجنود الثلاثين من اماكنهم و فتحو النيران على جنود العدو الذين تراجعو في رعب ... .
و حصدهم الموت واحدا تلو الاخر جزاء ما دنسو من ارض مصر ...
و تعالى صراخهم و عويلهم ... .
و سقط “زائييف” قتيلا ... .
و ترك الجنود دباباتهم و فرو مذعورين تلاحقهم النيران،،،،،
اصيب “يتسحاق” بصدمه عصبيه و فقد السيطره على اعصابه ... ..
و قتل و جرح كثيرا من جنوده الذين شاركو في تلك المعركه ... .
ثبت “عبد العليم “... . و رفاقه أربعه ايام بعد تلك المعركه رغم ان مؤنهم كانت قد اوشكت على النفاذ ... ..
و اصدرت القياده الاسرائليه امرا بالتوقف عن محاوله اقتحام “رأس العش” ... .
تقدمت كتيبه الرفاعي المصريه الشهيره لتتسلم الممر ... .
و عاد الابطال الثلاثين من حيث اتو ... .
كل منهم ذاب في المجتمع ... .
و ذابو في النسيان ايضا ... .
لم يذكرهم التاريخ الا رمزا ... ..
لم تكرمهم الحكومات المصريه المتعاقبه ...
لم تعرف عنهم اجيالنا شيئا ...
ذكرهم اليهود في كتبهم ... و في صحفهم ... و نسيناهم نحن ... .
اعتقد ان “عبد العليم “عاد الي قريته ...
الى نخلته ...
اعتلاها و تنفس بعمق و شوق الى الارض التي دافع عنها بشرف ... .
غير مبال بما سيجنيه ...
و اخذ ينظر الي الافق ليعرف اكثر ...
و ليرى اكثر ...
و ليحب مصر اكثر و اكثر ... .
قالها هامسا و هو يضع احدي اذنيه علي الارض الرمليه و يقطب حاجبية ... ..
( جايز تكون الاشاره غلط؟ )
( مش ممكن ... )
( يعني ايه مش ممكن ... ماهو برضو اللي بيتقال ده ما يدخلش العقل )
( ... ... ... . )
( طب انت سامع اي حاجة؟ )
( ... ... ... ... )
قبض على سلاحة بتوتر شديد و هو يجول ببصره في الجبال من حوله ... .
( انا مش سامع اي حاجة يا فندم ... )
نظر النقيب “عصام” الي الجندي في قلق و لم يعقب ... ..دارا على عقبيهما و عادا الي المعسكر الصغير ... .
نهض الجنود يستقبلونهم بتوجس و بصمت شديد ... ..
جلس النقيب “عصام” ارضا و القي سلاحة بجواره و شرد بعيدا و لم ينطق ... .
تبادل الجنود النظرات القلقه ... ثم تنحنح رجلا بدا عليه انه الاكبر سنا بسبب تلك الشعيرات البيضاء التي تلون رأسه ... .
( خير يا فندم؟ )
نظر اليه النقيب “عصام” بحيره و لم يرد ... .
( اتأكدتم يا فندم؟ )
كان صوته الهاديء الوقور يبعث قدرا ضئيلا من الراحة في نفس “عصام” ... .
نهض ... تنهد ... .قطب حاجبية و أطرق قليلا ثم قال ... .
( احنا مش سامعين حاجة و لا شايفين حاجة ... .احنا معزولين عن العالم ... .الاشاره اللي جاتلنا من القياده بتأكد ان احنا لازم ننســ ... .. )
بتر عبارته و لم يكملها و لمعت الدموع في عيناه بغته و احتقن و جهه ...
تكلم الرجل الهاديء مره اخري و قال ...
( لازم نعمل ايه يا فندم؟ )
نظر اليه “عصام” بعينين دامعتين و قال بعد وقت ...
( لازم ننسحب يا “عبد العليم “... )
لم يتمالك دموعه بعدها فأدار وجهه بعيدا ... ..
كان الظلام قد حل تقريبا و الرؤيه شبه متعثره ... لكن “عبد العليم “-الصول الخبير-كان يستطيع ان يري الحسره في عيون الرجال ... .و يستمع الي صوت دموعهم الصامته ... .
رفع “عبد العليم “رأسه و استنشق الهواء الدافيء بعمق و اغمض عيناه ... ..
ظل صامتا لفتره ثم ابتسم ابتسامه باهته اخفاها الظلام ... ..
( مهما حصل يا سيادة النقيب ... مانقدرش ننسحب ... )
توقفت الهمهمات الحزينه التي كانت تسري بينهم و انتبهو جميعا ...
( دي اوامر ... .ال ... قيا..دة يا “عبد العليم “و احنا لازم نن..فذ..ها بالحرف ... دا ممكن يكون انسحاب تكتيكي لان القيـ ... . )
( لا يافندم دا مش انسحاب تكتيكي ... دي هزيمه ... )
قالها بهدؤ و ثقه و لولا الظلام اشاهدو ابتسامته الباهته الحزينة ... .
ساد الصمت مره اخري و رددت الجبال صوت ذئب يعوي عواء حزينا طويلا من بعيد ... .
( يعني ايه؟ )
قالها النقيب “عصام” بصوت مختنق ... .
( يعني احنا انهزمنا يا فندم و الجيش انسحب ... .. )
( انت ايه اللي عرفك انت يا صول “عبد العليم “انت بتنجم؟ )
قالها احد الجنود بحده ... .
اتسعت ابتسامه “عبد العليم “التي يخفيها الظلام و قال بنفس الهدؤ ... .
( انا مابنجمش يا “مرعي” ... )
خيم الصمت عليهم مره اخرى حتي تكلم هو من جديد ... .
( ماينفعش ننسحب باي حال من الاحوال يافندم حتي لو كانت ديه الاوامر ... . )
لم يجيبه النقيب “عصام” فواصل ...
( بورفؤاد في ضهرنا ... .لو انسحبنا هاتروح في الرجلين ... .. )
انفجر جندي اخر في غضب و هو يقول ... .
( ياخي تف من بقك ... تروح في الرجلين ايه و هباب ايه ... هما يعني اليهود ولاد الكلب دول هايوصلو لحد هنا ... . )
( هما وصلو فعلا ... )
قالها “عبد العليم “بهدؤ ولكن بصرامه قاطعه هذه المره ... .
( يعني ايه يا صول “عبد العليم “... .احنا جيشنا اتهزم..مش.ممكن طبعا ... دا الريس قال ان احنا هانرمي اسرائيل في البحر و انا بقـ ... ... )
ابتلع ما تبقي من عبارته عندما شق الصمت صوت هدير محركات ضخمة آتية من بعيد ... .
التفت الجميع الي مصدر الصوت مشدوهين ...
كانت اضواء كثيره تقترب من بعيد ... .
( دول ... دول شكلهم كده الفرقه اربعه و خمسين مشاه ... هما اقرب ناس لينا هنا في “رأس العش” ... )
قالها الجندي “مرعي” بتوتر و رفع يديه فاجاه و هو يهتف ...
( هنااااا ... هنا يا رجاله ... . )
قبل ان يخفض يديه ...
انهمرت الرصاصات علي المكان فاجاه و بغزاره شديده ... .و لكن النقيب “عصام” قفز بسرعه ليخفض رأس “مرعي” و يسقطه ارضا ... ..
و صرخ “عبد العليم “...
( مكانك ... كل فرد ياخد مكانه ... )
انطلق الجنود الثلاثين الي مواقعهم مندفعين مابين الصدمة و الخوف و الذهول ... ... .و الرصاصات تنهمر علي المكان بغزارة ... .
تعثروا ... .قاموا ... سقطو ا ثم قامو ... .
مرقت بجوارهم رصاصات الموت الشرسه ... ..
كانو مختبئين في رعب ... .قابضين على اسلحتهم كانهم يحتمون بها من الفزع ... ..
تدور عيونهم في محاجرها ... يتبادلون النظرات الخاويه المذعوره ... .
و خيم على أرواحهم شعور واحد ... .
إنها النهاية ... .
النهايه المروعة التي لم يرغب أحدا منهم بها ... .
قد تخطىء لو ظننت ان رهبة الموت و الخوف منه هو ما كان يسيطر عليهم وقتها ... .
لا ...
صدقني ... .
كل الخوف و الذعر و الحسرة ... كانت على ضياع الحلم ... ...
انه شعور مروع ... .يتضائل بجواره الخوف من الفناء و تتضائل بجوارة كل المشاعر الاخرى ... ..
التفت “عبد العليم “الي النقيب “عصام” و صرخ و هو يحمي رأسة من الرصاص ... .
( الهاون يا فندم ... الهاون بسرعة )
و علي الرغم من الصدمه ... نهض “عصام” بشجاعه و انطلق في مسار متعرج و هو يطلق الرصاص عشوائيا و قلبة يخفق بشده حتي وصل الي موقع المدفع الهون و شرع في تركيب الطلقه بسرعه ...
التفت “عبد العليم “مره اخري الي “مرعي” ...
( “مرعي” ... “مرعي” ... خد عبدالله و احمد و اجهز بالاربي جي بسرعه ... . )
لكن “مرعي” لم يتحرك ...
كان متسمرا في مكانه يرتجف ... ينظر اليه بعيون خاوية و انفاسه تتلاحق ... .
رفع ال”عبد العليم “راسه بحذر من مخبئه و القي نظره خاطفه علي المدرعات التي اقتربت كثيرا ... .ثم انطلق كالسهم و القي نفسه بجوار “مرعي” ... ..
امسكه من تلابيبه بقوه و هزه بعنف ...
( عسكري “مرعي” ... .فوق يا عسكري ... ..فوق ... . )
كان “مرعي” ينظر اليه بعيون ذاهله، ... .
هوي “عبد العليم “على وجهه بصفعه جباره زلزلت كيانه فدفعه “مرعي” بحده و هو ينفجر باكيا ... .
اشار اليه “عبد العليم “بصرامة ... .
( قوم يا عسكري خد موقعك على الاربي جي بسرعهههههه ... .. )
تسمر “مرعي” قليلا ثم مالبث ان انطلق زاحفا ليلحق بزميله احمد و يتخذ موقعه ... .
كانت بقية السريه قد اتخذت مواقعها بالفعل و ان كان الخوف مازال مسطرا علي الجميع ... .
توقفت الرصاصات قليلا و دوي صوت يتكلم بالعربيه ... .
( الرائد "يتسحاق موردخاي" يتكلم ... .سلم نفسك ... كل الجنود و الضباط ... .القي سلاحك ... . )
كان الظلام سائدا الا من الاضواء الكاشفة التي يسلطها اليهود ... .
و علي ضوئها اشار “عبد العليم “الي النقيب “عصام” ان ينتظر ... .
( جيش مصري ... انهزم ... .كله ... .انسحاب ... .مفيش فايده من المقاومه ... )
همس “عبد العليم “الي جندي يرقد علي مقربة منه ... .
( “فتحي” ... “فتحي” ... انت شايفه؟ )
( لا يا فندم ... مش شايفه ... بيت،،بيكا ... لم من جوا الدبابة )
قالها مرتجفا ...
اشار “عبد العليم “الي “عصام” بيده ...
حمل “عصام” القذيفة داخل الهاون و احكم توجيهها ثم سد اذنية باصابعه و انبطح ... .
ساد الصمت للحظات الا من صفير مميز ... .
ثم ...
دوي انفجار هائل بين الجنود الاسرائليين ... .
و تعالي صوت صراخهم ... .
هنا قفز “عبد العليم “من مخبئة فاجآه و هو يصرخ و يشير بيده ... .
( “مرعي” “مرعي” ... . )
قالها و هو يفتح النار علي الجنود وجها لوجه ...
و قبل اتن تتم صرخته ... .انفجرت دبابة اسرائلية بغته بعد ان اصابتها قذيفة “مرعي” ثم انفجرت عربه مصفحة بعدها بثوان ... ..
اشار “عبد العليم “الي بعض الجنود المتمركزين في مكان مرتفع ... .
( ابراهيم ... النور يا ابراهيم ... )
قالها و قفز محتميا بالصخور بعد ان انتبه اليه الاسرائليين و امطروه بالرصاص ...
و في ثواني ... .فتح الجندي ابراهيم نيران مدفعه الماكينه ليدمر المصابيح التي تمنح العدو رؤية جيده ... .و احصي عددا من الجنود الذين تعالي الصخب بينهم ... .و تراجعو متخبطين ... .
عض الرائد “يتسحاق” على شفتيه و زمجر و هو يحتمي داخل دبابته ...
( زائيف ... .زائيف ... .اامر اوغادك بالتراجع و حاصرهم بالدبابات ... .ابيدو هؤلاء الملاعين ... لقد سقطت سيناء كلها في ايدينا و لن توقفنا مجموعه من الفئران ... هيا )
تراجع الجنود بسرعه محتميين بالدبابات التي تقدمت لتحاصر الممر الممتد بين تلين مرتفعين ... ..
زحف “عصام” من مخبئة و هو يجر المدفع الهاون الثقيل و يصرخ في الجنود ... .
( خنادق ... خنادق ... بسرعة )
و في لحظات كانو جميعا دخل خنادقهم المتفرقة المعده مسبقا ... ..
و انهالت القذائف ... .كالجحيم ... .
و هم يسدون اذانهم بايديهم ... ..وكل منهم لا يزال غير مصدق لما يحدث ... .
و تدور في رؤوسهم افكار شتى و خيالات مخيفة ...
متقطعه انفاسهم ... .يرتجفون ...
و استمر القصف ما يزيد عن الساعه ... .تساقطت الاحجار فوق الخنادق ...
ولولا رحمة الله لقضي الامر ... .
و اخيرا توقف القصف ... و ساد الصمت الا من حركة اقدام خفيفه ... .
و ادرك الجميع ماذا يعني ذلك ... .
همس “عصام” ...
( “عبد العليم “... دول بدأو الهجوم ... .. )
اومأ “عبد العليم “برأسه متفهما ثم نظر الي الرجال السته الراقدين بجواره في الخندق ... .
( رجاله ... .حد فيكو شايف بقيه السريه من مكانه؟ )
تطاول افضلهم موقعا بعنقه في حذر ثم قال ... .
( لا يا فندم ... و جهاز اللاسلكي الناحيه التانيه ... .مش هانقدر نوصله )
تنهد “عبد العليم “بعمق ثم نظر الي “عصام” نظرة ذات مغذي ... دامت للحظات ... .
قبض علي سلاحة ... .
نظر الي رجاله ... ..
( رجاله ... .احنا الوحيدين في السريه اللي شايفين اليهود من موقعنا ده ... مش هانقدر نتصل بالباقي ... )
صمت قليلا ... نظر في عيون رجاله المشدوهين ...
( لازم نوقفهم ... باي ثمن ... )
خفضو رؤوسهم الي الأرض ... قبضو علي اسلحتهم ... . و لم يعقبو ...
لم يعرف هو ... اهم معه ام لا ... ..
نظر الي “عصام” ... الذي تكلم ببطيء ... .
( 1،،،،،2،،،،،،3،،،،، )
نهضا من مخبئيهما فاجاه صارخين ... .
( الله اكبر ... )
و بشجاعه نادره فتحا النيران علي الجنود المتقدمين ... .
و في ثواني ...
نهض الجنود الثلاثين كل من موقعه ... .
تحول المكان الي جحيم ... ..
و تراجع اليهود في تخبط و هم يحاولوون تحاشي النيران ... .و يبادلون اطلاق النار ... ..
قفز “عبد العليم “من موقعه و هو يبدل خزانه مدفعه في صرامه و هبط من مكمنه الآمن المرتفع بسرعه ليصبح امام الجنود المتراجعين مباشره و الذين فوجئو به ... .
و ان كانت مفاجاتهم لا تقل شيئا عن مفاجاة رفاقة ...
فتح النيران عليهم وجها لوجه و كانه يبغي الموت او لا يبالي،،،،
اختبىء احد قناصة اليهود بسرعه و مهاره ... .ثبت بندقيته علي كتفه جيدا ... ..نظر في العدسه التي تعمل بالاشعه تحت الحمراء ...
كان “عبد العليم “في منتصف الدائرة ... .
و قبل ان يعتصر اصبعه الزناد شهق بقوه عندما هوت على عنقه طعنه قويه و سقط ارضا ...
و من فوقه نهض “مرعي” ... .ممسكا بالسنكي و مواجها الجنود الاسرائليين بعد ان نفذت ذخيرته وهو ينظر اليهم بمزيج من من الخوف و التوتر و الغضب ...
ادارو مدافعهم اليه بسرعه و اغمض هو عينيه ... .
و لكن بقيه الجنود المختبئين في خندق “مرعي” برزوا لهم بغته و انقضوا عليهم ليمطروهم بالنيران من اعلي التل ... ..فارتبك الجنود و تخبطوا و هم يتراجعون ...
و افاق “مرعي” من جموده فجذب اقرب الجنود اليه و سقط معه ارضا و هو يحاول طعنه بالسنكي لكن الجندي القوي قبض بيده علي يد “مرعي” ثم ضربها بالصخور فاجبره علي تركه ... ثم استل مسدسا صغيرا من حزامه و اطلق عليه النيران ... .
انتفض “مرعي” بعد ان اصابته الطلقه في كتفه ...
نهض الجندي بسرعه و هو يتراجع محاولا اللحاق بزملائه الذين فرو لكن “مرعي” قبض علي ساقه باصرار ... .فوجهه اليه الجندي المسدس مره اخري ليقضي عليه ... .الا ان يدا فولاذيه رفعت يده الممسكه بالمسدس في الهواء و قبل ان يستدير ليواجهه خصمه ... هوى الخصم على راسه بضربه راس كالمطرقه ... فترنح الجندي و سقط سلاحه ... و لكن ضربه اخري من نفس النوع اصابت فكه فسقط فاقد الوعي ... .
حمله “عبد العليم “علي كتفه و هو يصرخ ...
( احمد ... ابراهيم ... شيلو “مرعي” بسرعه ... . )
انطلقا يحملا “مرعي” و تواري الجميع في الخنادق مره أخرى ...
و في دبابته صرخ “يتسحاق” بغضب و هو يتحدث في اللاسلكي ... .
( ماذا تعني يا شامير ... ماذا تعني،،،،اتضلنونني؟ ... .قلتم لي ان هناك سريه واحده تحمي ذلك الممر ... و انا اري امامي اكثر من كتيبه في المكان ...
لقد فقدنا دبابتين و عربه مصفحة و عدد من السيارات الجيب و لا اعلم حتي الان الخساءر في الافراد ... .ماذا يعني هذا ... .؟ لماذا لم تخبروننا؟ ... . )
( شامير ... .اقصفو المكان بالطائرات،،،،و بسرعه ... . قبل ان يصل هؤلاء الاوغاد اي دعم ... )
قالها ثم اغلق اللاسلكي بعنف و خرج من دبابته ليتفقد جنوده ...
اتسعت عيناه في غضب و دهشه ...
كان جنوده مابين قتيل و جريح ... .
اكثر من مائة جندي راقدين امامه يأنون،،،،
( يالهي ... يالهي ... .ماهذا ... .ماذا يحدث بحق الجحيم ... )
( انه كمين سيدي القائد ... انهم كثيرون للغايه و يملكون مناظير للرؤية الليله ... .اعتقد يا سيدي انهم يزيدون عن المائة مقاتل او اكثر ... )
عقد “يتسحاق” حاجبية بشدة و التفت الي الممر المظلم الخاوي من الحركة و لم تكلم ...
فقط ارتجفت شفتاه غضبا ... .
( سيدي.. )
التفت الي مساعده ...
( هناك ... هناك اس..اسير ... )
( عظيم ... احضروه الي حتي استجوبه و نعرف كم مقاتلا لديهم ... )
خفض الرجل راسه في خجل و قال ...
( سيدي ... لديهم اسير لنا ... لقد اسرو موشى )
حدق فيه “يتسحاق” بغضب و ذهول و عجز عن الكلام للحظات ثم مسح وجهه بكفيه و سار مبتعدا و هو يحدث نفسه ...
( اللعنه..اللعنه و الف لعنه ... لماذا احاط دائما بالاوغاد و الفشله ... ماذا سيقولون في القياده الان ... )
كل زملائك نجحوا في مهامهم و سوف ينسب النصر اليهم ... الا انت يا “يتسحاق” ... )
كان قد بدا يحدث نفسه بالفعل كانه يهذي ...
ثم توقف فاجاه و استدار بغضب الي مساعده ... .
( لاااااااااااااااا لاااااااااا ... لن يكون ذلك ... )
صرخ بها بشده ... .
( اجمع كل القوه الان ... و بسرعه ... .هياااااا )
( سيدي الجنود متعـ ... )
قاطعه صارخا ... .
( هراااااااء ... هراء ... اننا في حرب ايها الاوغاد ... حرب ... حرب مقدسه ... هيا اجمعهم ... )
صمت لياخذ نفسه ثم صرخ
( بسرعععععععععه ... )
انطلق مساعده يهتف في الجنود بدوره ليجمعهم ... .
و في دبابته تحدث “يتسحاق” في اللاسلكي ...
( نعم يا شامير ... مثل ما سمعت ... كتيبه مظليين كامله ... بكامل عتادهم ... . )
( ... ... ... . )
( شامير ... قلت لك انهم كثيرون و مسلحون و الامدادات تاتيهم باستمرار ... )
( ... ... ... )
( لا لا..محال ... .انا اريدهم في اقل من ساعه ... . )
انهي المحادثه و زفر في غضب ... ثم الق نظره من منظار الدبابه علي المكان ... .
( حسنا ايها الفئران ... .سوف نري اي عناد يمنعكم من التسليم ... )
انفتحت كوة الدبابة و اطل منها وجهه مساعده المرتبك ...
( سيدي ... الجندي الاسير لديهم ... .ماذا بشأنه ... )
نظر اليه “يتسحاق” بغضب..
( انها حرب ايها الملازم ... حرب ... نضحي فيها بكل شيء من اجل الوطن )
حدق فيه مساعده بمزيج من الشك و التوتر ثم اغلق الكوه و انصرف ...
( جبناء ... )
قالها بتوتر و هو يعاود استكشاف المكان ... .
و في الخندق ... .
تجمعت السريه حول الجندي موشى الاسير ...
تلاقت نظرات الكراهيه لاول مره ...
حقد متبادل و غضب ... .
صمت عميق يلف الجميع ...
و هم يتطلعون اليه في الظلام علي ضوء كشاف صغير،،،يلقي علي المكان و الموقف ظلال رهيبه،.،،،
تعالت صوت انفاس موشى و هو يجيل بصره بينهم بتوتر بالغ ... .
( بدي ماي ... )
قالها باللهجة الفلسطينية ... .
مازالو يتطلعون اليه في صمت ...
( هاتلو شويه ميه يا احمد ... )
قالها “عبد العليم “بهدؤ ... .
نظر اليه احمد بغضب ...
( و عهد الله ما يدوقها من ايدي ابدا ... لا يا عم “عبد العليم “ ... لا )
التفت “عبد العليم “الى “عصام” فاشاح بوجهه في غضب ...
تحرك “عبد العليم “ و صب له بعض الماء و ناوله اياه فجرعه اليهودي مره واحده ...
ثم ابتلع ريقه و عاد ينظر اليهم ...
اشار لهم “عبد العليم “ فتركوه وحيدا في الظلام و تحركو بعيدا ...
ابتعدو مسافه كافيه ثم جلسو ارضا ...
( “عبد العليم “... القياده بعتت اشاره الانسحاب ... هانعمل ايه ... )
قالها “عصام” بحذر ...
صمت “عبد العليم “و لم يرد ... و شرد ببصره بعيدا ... .
استنشق الهواء بعمق و اغلق عينيه ...
ذابو جميعا في الصمت ... .
كان وحده يرى ... .
من موقعه ...
اعلى النخله الطويله الشامخة في قريته ... .
يرى كل شيء بوضوح ... .
او هكذا يشعر ...
حتى عندما كانت امه تناديه بيأس،،،،( يا وله يا “عبد العليم “... انزل يا واد ... .بتعمل ايه فوج النخله يا وله ... .بدري عليك طلوع النخله يا ضنايا ... .حاسب لاتوجع ... . )
لم يكن يستمع اليها ... .
السعاده تغمره ... من مكانه فوق النخله ... يشعر بانه يرى كل شيء ... يعلم كل شيء ... .
كل اصدقائة الاطفال يحاولون اللحاق به و ينادونه ... و هو ينظر اليهم بفرحة و انتصار و شفقه و هم يحاولون الصعود ...
و يسقطون ...
و يبقي هو ... .
ييأسون و يعودون الي ديارهم ...
و يبقي هو فروق النخلة ...
حتي عندما كان شابا يافعا ... .
كان يقضي جل اوقاته فوق النخله ... .
معلقا،،،
ينظر الي السماء و الحقول الخضراء امامه ...
يتنامى بداخله شعور غريب ...
شعور قوي ...
انه يعرف ...
يعرف كل شيء ...
يرى كل شيء ...
لفح الهواء الساخن وجهه ففتح عينيه ...
ظلام دامس يلفه ...
و ثلاثين جندي من حوله ... .
لم يقاتلو من قبل ... .
لم يقتلو من قبل،،،،،
جرحت اصوات الرصاصات خوفهم البكر من القتال ... .
ينظرون اليه ...
ينتظرونه ...
و السؤال المعلق ...
( ماذا سنفعل؟ )
( مش هايعدو من هنا ابدا يا رجاله ... . )
قالها بعمق و قوه ...
تطلعو اليه في الظلام ... .
( مش هاياخدو “رأس العش” ... .هاتفضل “رأس العش” في ايدينا للنهايه ... )
قالها ثم نظر اليهم ...
( معايا يا رجاله )
و بدون ان يفكرو فيما قالو ...
قالو ...
( معاك ... )
قالوها بعفويه..و اصرار ...
لم يفكرو حتي في العواقب ...
دوي صوت بارد يشق الصمت ... .
صوت معدني ... .
هدير شديد ...
( سكاي هوك ... .ثلاثة ... )
قالها “عصام” و هو ينظر بمنظاره المعظم،،،،،
تطلع الجميع الي الطائرات الثلاثه التي تحط علي مقربمن الممر ... .
و تبادلو النظرات المتوتره.، ...
( دي فرقه المظليين الاسرائيلية ... . )
قالها الجندي احمد بتوتر بالغ ...
تبادلو النظرات العميقة و ان استقرت نظراتهم عند “عبد العليم “في النهاية ...
( هااااايي ... انتم ... راح ياكلوكم اكل ... )
التفت الجميع بغضب الي الجندي موشى الذي هتف بالكلمات بهيستريا و هو يضحك ... .
و في ثواني كان احمد و ابراهيم عنده و انهالو عليه ضربا و صفعا و ركلا و هو يقاومهم بلا جدوى ...
و لكن “عبد العليم “ببنيته القويه حال بينهم و بينه و هو يدفعهم بقوه ...
( اهدو يا رجاله ... صلو عالنبي ... . )
توقف الشابان في غضب و هما يلهثان في توتر.،. و يكيلون له السباب ... .
ابعدهم “عبد العليم “عنه و عاد اليه يتفحصه ... .
كان مصابا بجرح عريض في خده الايسر بعد ان ركله احدهم ركله عنيفه ...
كان يرتجف ...
ادار “عبد العليم “خده اليه و القي عليه نظره ...
( “فتحي” ... اديني شنطة الاسعافات ... )
تسمر “فتحي” قليلا ... فزمجر “عبد العليم “...
( اخلص يا “فتحي” ... )
ناوله “فتحي” الشنطه فشرع يضمد جرح موشى ... في سرعه و مهاره.،..
و الجندي ينظر اليه بخوف و غضب ...
لا يفهم ماذا يحدث ... .
أنهي “عبد العليم “عمله بسرعه و مهاره ثم نهض الي رجاله ... .
( اسمعوني كويس يا رجاله ... انا عندي خطه محدوده ... نقدر بيها نقاوم لحد ما يبعتولنا الامدادات ... )
كانت عيونهم معلقه به ... و قلوبهم ايضا ...
ابتعدو بمسافه كافيه عن الاسير و بدأ يشرح لهم في سرعه ... .
هبطت المروحيات الاسرائيلية الثلاث و اخذ الجنود يقفزون منها في سرعه و حماس و ينتظمون في صفوف ... .
و خرج “يتسحاق” من دبابته منتشيا و ان اخفى ذلك ...
ورسم على وجهه الغلظه ... .
( سيدي ... النقيب “افرام” جوش ... الفرقه السابعه مظلات في خدمتك )
قالها قائد الفرقه الشاب الفارع ... .
تفقد “يتسحاق” الجنود ببصره صامتا ثم ما لبث ان قال ... .
( الليله ... سننهي هذا الامر نقيب “افرام” ... . )
تطلع في عينيه بعمق ...
( الليه ... )
شد “افرام” قامته الفارعه و القي نظره بارده علي الممر ...
( كما تأمر يا سيدي ... لقد اعددنا خطة مبدأية ... .لو اذنت لي لاطلعك عليها ... )
( بالطبع ... .. )
فرد “افرام” خريطه صغيره للمكان علي السياره الجيب القريبه و بدا يشرح ... .
ثلاث ساعات مضت ... غرق المكان فيها في الصمت التام ... .
حتى ليخيل لك ان السلام قد حل سريعا ...
وفي هدؤ تسلل عشرات الجنود الإسرائليين مستترين بالظلام ليلتفو من الجانب الايسر للممر الذي كان هادئا للغايه ... .
و اختفو خلف الصخور الكبيره المتناثره على جنباته ... .
لحق بهم النقيب “افرام” قائدهم و رقد بجانبهم بسرعه ... .
فتح جهاز اتصال ...
( ابدأو القصف عند اشارتي ... . )
قالها بسرعه و حسم ثم التفت الي جنوده ...
( كل منكم يعرف دوره ... اعلم انها ليست بالمهمه السهله ... و لكنها من اجل الوطن ... . )
تالقت عيون الجنود في حماس شديد و قبض كل منهم على سلاحه ... .
و بعد ان اطمئن “افرام” على مواقع جنوده و انهم خارج دائرة القصف ... اعطي الاشاره ...
ساد الهدؤ لثواني قليله قبل ان تسطع السماء بضؤ مبهر و تنهمر القذائف على المكان ...
استمر القصف العنيف لمده ربع ساعه شاركت فيه المروحيات من بعيد ... .
و ما ان توقف القصف حتي زحف جنود “افرام” من اسفل الى اعلى الممر في سرعه و مهاره و تخلف عدد منهم لتأمين الزحف ...
وصلو الي القمه بسرعه ثم تسلقو هبوطا حتي وصلو الي الارض و اتخذو تشكيلا قتاليا ...
لم يكن الظلام يعيقهم بالطبع فقد كانو يرتدون مناظير الرؤيه الليليه ... و التي احالت المكان الي نهار ... .
تقدم “افرام” بمجموعه من جنوده ليستكشف المكان الذي بدى خاليا تماما ...
توغل “افرام” اكثر الي قلب المكان و هو يرهف السمع و يدير عينيه حوله بحذر شديد ...
استغرق الامر وقتا اطول من المتوقع و لم يظهر اي اثر للجنود المصريين ...
قسم “افرام” جنوده اربعه فرق لتمشيط الممر و انطلقو ...
و بعد اكثر من نصف ساعه ... لم يجدو احدا ...
كان المكان خاويا تماما ...
استدعى “افرام” احد جنوده ... .
( يعقوب ... تقفي اثرهم بسرعه ... )
انطلق يعقوب يبحث في المكان بعنايه وحده ... . و الجميع يتابعونه بحذر ... ..
انحني بعد فتره طويله على احدي ركبتيه و لمس التراب بطرف انامله ثم تشممه ... .
نهض و اتبع مسارا مستقيما و ابتعد ...
ثم عاد مهرولا الى “افرام” ...
( سيدي ... لقد هربو ... .كما ان معهم جريح ... و اعتقد انهم هربوا حتي قبل ان نقصف المكان ... )
عقد “افرام” حاجبيه في شك و هو يتلفت حوله بحذر ...
( اعلم انهم جبناء لكن شيئا ما يحدثني بان في الامر مكيدة ... )
اطلقو النار عشوائيا على كل مكان ... لا تتركو شبرا خاليا ... .هيا ... )
هتف بها في جنوده و هو يسحب أجزاء مدفعه ...
سحب الجنود اجزاء مدافعهم و انطلقو يمطرون المكان بالرصاصات ... .
و من موقعه غمغم “يتسحاق” بقلق ... .
( لقد اشتبكوا ... .ارجو ان يقضو عليهم سريعا ... . )
نظر في منظاره المعظم الي الممر الذي حالت صخوره العملاقه عن الرؤيه ... .
( لقد بدأو بالفعل في تكريم زملائي في تل أبيب ... .يجب ان ينتهي الامر سريعا مهما كلفني ذلك ... )
غمغم بها و هو يخرج ممن الدبابه و يلقي نظره علي المروحيات الثلاثة التي استقرت بجواره ... .و التي منحته شعوا بالامان و التفوق ... .
اما “افرام” فقد اشار لجنوده بالتوقف بعد ان اطمأن الي خلو المكان ... .
خفض سلاحه و تناول جهاز اتصاله ليبلغ “يتسحاق” بالامر ... .
و فاجأه ...
سطع ضؤ مبهر في المكان ... ..
و مع مناظير الرؤية الليلية التي يرتديها الجنود الاسرائيليين ... والحساسه لاقل ضوء كان الامر كمن يغرس مجموعه من المسامير الصلب في عيونهم ...
اطلق “افرام” صرخة الم رهيبه و هو ينزع منظاره ... .و عج المكان بصراخ جنوده المتألمين ... ..
و انتفض “يتسحاق” من المفاجأه و تمتم مذهولا ...
( ماهذا ... ماذا يحدث ... )
و لكن الامر لم يقتصر على ذلك ...
دوت في المكان صرخة جباره ... .
صرخة ثلاثين مقاتلا ...
خرجوا من تحت الارض ... كالعائدون من الموت ...
و لقد تراجع الجنود الاسرائيليين رعبا و هم يرونهم يخرجون من تحت الارض ... ..
و زاد الظلام من هول الموقف فتراجعو متخبطين من الالم و الرعب ... .
و لكن الموت لم يمهلم ...
فلقد فتح الجنود الثلاثين ... كل من موقعه ... .نيرانهم الكثيفة عليهم فتساقطو بدون مقاومه تذكر ... .
و تراجعو متخبطين يصرخون ... ..
و قفز “افرام” محتميا بالصخور و هو يلهث بشده و حاول ان يخترق بعينيه الظلام بلا جدوي ... فقط يرى و ميض الطلقات عندما تصيب جنوده ...
و زحف وحده الى خارج الممر مذعورا لا يدري من اين ياتيه الموت ... .
يزحف بسرعه و لا ينظر خلفه و كان الشياطين تطارده ... .
كان قد وصل الي نهايه الممر ... .فشاهده “يتسحاق” ... .
نظر اليه برعب ... ..فأشار “افرام” اليه طالبا المساعده ...
و لكن طلقه اصابت ظهره و اخري كتفه ... ..
فتوقف عن الزحف ... .
و سقطت يده المرفوعه امام “يتسحاق” المصدوم ... .
و تواصل صراخ الجنود مختلطا بأصوات الرصاص ... .
والتفت “يتسحاق” الي مساعد صارخا ...
( زااااااائيييييف ... ..ارسل المروحيات لتقصف المكان بسرعه ... ... )
نظر اليه زائيف بغضب ممزوجا بالذهول ...
( سيدي ... ان جنودنا داخل ذلك الجحيم ... .سوف يصابون اذا قصفنا المكان ... )
نظر اليه “يتسحاق” بغضب شديد و صرخ ...
( ليس لك الحق ان تعترض ايها النقيب ... .افعل ما تؤمر فقط ... . )
شد زائيف قامته و نظر اليه بغضب اشد ...
( لا يا سيدي ... ساتحمل مسؤليه مخالفتي للأوامر ... لكني لن اوافق على ان نقتل جنودنا من اجل ان ينال شخصا ما بعض النياشين و الاوسمه ... )
حدق فيه “يتسحاق” بغضب شديد ... ثم لم يلبث ان استل مسدسه و صوبه اليه و هو يقول بصوت هادر ... .
( اذن انت تعرف عقوبه عصيان الاوامر في ميدان المعركة ... )
عقد “زائييف” حاجبيه بصرامه و نظر اليه بتحد ...
( اقتلني ... لا أبالي ... )
تسمر “يتسحاق” في مكانه و حانت منه التفاته الي جنوده الذين حملت نظراتهم خوفا و غضبا ... ..
عاد فنظر الى “زائييف” و هم بان يقول شيئا و لكن صوتا هادرا شق المكان بعد ان توقف صوت الصراخ و الرصاص ... .
فالتفت “يتسحاق” بجزع الي الممر و الذي يصدر الصوت منه ... .
و عقد “زائييف” حاجبيه بشده ...
و الهتاف يدوي ...
( صاعقة ... ..مجد،،،،،صاعقة ... .مجد ... . )
و يتخلل الهتاف اصوات اقدام تدق الارض بانتظام ... .و صيحات قتاليه شرسه ... .
( انه الهتاف الخاص بقوات الكوماندوز المصرية ...
قالها “زائييف” ببطء و قلق ... .
خفض “يتسحاق” مسدسه دون ان يشعر ...
ثم لم يلبث ان اتسعت عينيه في ذعر و هو يشير بيده الي الممر ... .
عقد المشهد لسانه فلم يتكلم و كذلك فعل جنوده ...
كانو ينظرون جميعا الي ثلاثه من جنودهم يخرجون من الممر زحفا و هم ملطخين بالدماء ... ممزقه ثيابهم ... .
و تسمر الجميع للحظات قبل ان يقفز “زائييف” مع عدد من جنوده في سياره جيب و ينطلقون اليهم ...
حملوهم بسرعه الى الجيب و هم في حاله من الفزع الشديد و عادو بهم ...
مازال “يتسحاق” متسمرا ... .
ينظر الي الجنود الثلاثة الممددين امامه و هتاف الصاعقة يدوي في اذنيه ... .
اعترت جسده قشعريره بارده و شعر بالعرق البارد علي جبينه ...
تقدم من الجنود المصابين ،،،
( ماذا حدث ... .اين الجميع ... )
قالها بصوت مختنق ...
( لقد قتلوهم سيدي القائد ... قتلوهم جميعا ... .خرجوا من تحت الارض و قتلو الجميع ... . )
قالها احد الجنود بانفاس متقطعه ...
تمتم “يتسحاق” دون ان يدري ...
( خرجو من تحت الارض ... . )
همس “زائييف” الي احد الجنود ... .
( انه يهذي ... .انقلوه الي ليتلقي العلاج بسرعه ... . )
حمل الجنود زملائهم المصابين بعيدا،،،،
حدق “يتسحاق” في “زائييف” بغضب ...
( ماذا الان ايها المتحذلق ... ارأيت ... لو كنا قصفنا المكـ ... . )
( لن اقتل جنودنا بيدي ... .لن يسامحني الرب اذا فعلت ... )
زفر “يتسحاق” في حنق و هو يضرب بيده على السياره الجيب القريبه ... .
( و الان ... ماذا تري ... .نبعث وجبات افطار للمصريين؟ ... .ام ماذا ... ؟ )
القى زائيف نظره على الممر و قد بدأت تظهر تفاصيله مع اضواء الفجر الشاحبه ... .
( عندي خطة بسيطه ... .كنا نستخدمها لصيد الاسود في الكاميرون ... .اعتقد انها ستصلح هنا ... )
نظر “يتسحاق” الى الممر بدوره و انتابته قشعريره بارده مره اخري و لم يعلق ... .
توقف “عبد العليم “و الجنود عن الهتاف لاهثين ...
و تبادلو النظرات المتوتره ...
بدل “عصام” خزانة مدفعه و هو يتمتم في توتر ...
( ربنا سترها المرادي ... الله اعلم هايعملو ايه تاني ... . )
رمقه “عبد العليم “بنظره غاضبه اخفاها الظلام ... .
فارتفع صوت احد الجنود ...
( ممكن يضربو الممر بالطيارت و يهدوه علي دماغنا ... )
تكلم “عبد العليم “بقوه و هدؤ بعد فتره من الصمت ...
( ميقدروش ... )
اثرت كلمته القويه و صرامته القاطعه فيهم فلاذو بالصمت ...
( هما عاوزين يعدو من الممر ده ... ميقدروش يهدوه ... .مافيش قدامهم حل غير انهم يعدو من هنا ... . )
صمت قليلا و صفرت الرياح بين جنبات الممر ...
( و دا مش هايحصل ابدا ... طول مانا عايش ... )
تبادلو النظرات الصامته ... .و كل منهم شارد في عالمه الخاص ...
( يا رجاله ... احنا قدرنا نوقفهم ... و قدرنا نخليهم يهربو زي الفيران المذعوره ... و لسه نقدر نعمل كتير ... )
( حظ ... )
قالها احد الجنود بيأس شديد ... .و ازداد الصمت بعدها ...
( انتو يعني فاكرين ان احنا التلاتين نفر دول هما اللي هايمنعوا الجيش ده كله ... .و يا فرحتي لو اندفنت هنا ... ولا حد هايعرف عننا حاجه و لا الحكومه هاتعبرنا ... .هايقولو كلب و راح ... و بنتي الله اعلم مين هايربيها ... )
عندما وصل الى هذه الكلمات تهدج صوته و اجهش بالبكاء ... ..
اطرق “عبد العليم “و لم يعقب ...
تحدث “مرعي” بصوت واهن ...
( انا بالنسبالي مش فارقه كتير ... .يعني ... يقولو كلب راح كلب جه ... الحمد لله ان انا مقطوع من شجره ... . )
تنهد تنهيده حزينه ...
( هنا ميت و في بلدنا ميت ... . )
اطرق بعدها و هو يغالب دموعه ...
( ممكن تقولي يا عم “عبد العليم “... احنا ليه مانمشيش و نسيبلهم الجمل بما حمل و ننفد بجلدنا ... مش حاربنا و ضربنا و عملنا اللي علينا ... لازم يعني نموت عشان تنبسط )
قالها احد الجنود بصوت متهدج اقرب للبكاء ...
و ساد الصمت من جديد ...
ببطء ..و عمق تكلم “عبد العليم “...
( جايز يا “شكري” تكون عندك حق ... .يمكن محدش يهتم بأمرنا ... .يمكن لما نرجع - دا لو رجعنا- ولا حد يعبرنا ... يمكن انت لو مرجعتش ميسألوش في بنتك و مراتك ... كل ده جايز ... .و انت يا صبحي ... .يمكن برضه يكون عندك حق ... .انت حاربت و ثبتت مكانك و عملت اللي عليك ... و ممكن تكون شايف ان ده كفايه قوي ... بس انا عاوز اقول لكل واحد فيكم كلمه يفكر فيها كويس و بعد كده انتو حريين ... تقعدو او تمشوا ... )
صمت و تنهد بعمق ... .
( لو كل واحد فينا فكر في حاله ... و لقي ان الحسبه خسرانه ... و ساب مكانه و هرب ... .
لو كل واحد فينا عاش حياته كلها شايف الذل من البلد و كارهه عيشته فيها ... ساب مكانه و هرب و قال خلاص ... كفايه عليهم كده انا عملت اللي عليا ...
بنتك انت يا “شكري” هاتتربي في بلد بيحكمها اليهود ...
و انت يا “شكري” هاتعيش عبد طول عمرك ... .دا لو سابوك تعيش ... . )
علا صوته و تحول الي الغضب ... .
( هانعيش كلنا عبيد في بلد بيحكمها اليهود يا رجاله ... .
و حتي لو محكموهاش ... .
هانعيش طول عمرنا عارفين ان احنا كان في ايدينا نعمل حاجه و معملناش ... .
كان في ايدينا نحمي ارضنا و سيبناها و هربنا ...
و لما نشوف النجمه الزرقا بعد كده في اي مكان ... .هانوطي روسنا مذلولين ... و نطاطي ... لان اننا جبنا ... .دا اذا محطوش النجمه ديه فوق بيوتنا ...
انا عندي ست عيال ... .
دوخت عشان اعلمهم و ادخلهم المدارس ... ..
و مقدرتش ... .
عايش في اوضه انا و عيالي السته و بناكل اللحمه في المواسم ... .
وياما لعنت البلد و الحكومه و الدنيا كلها ... .
ايه اللي مخليني ثابتت في موقعي ...
ايه ...
ردو عليا.،،،
الكام ملطوش اللي باخدهم مالجيش..؟
ولا طمعان في تكريم من الريس؟
لا يا رجاله ... .انا واقف مكاني عالارض ديه عشان ديه ارضي ... .
التراب ده من عرقي ... .
و الكلاب الانجاس دول عاوزين ياخدوها مني ...
و انا بقولكم من دلوقتي ... .
مش هافرط فيها ...
مش هافرط فيها مهما حصل )
احمرت عيناه من الغضب و ضم قبضته ... .و نظر اليهم ...
( اللي عاوز يفضل يفضل و اللي عاوز يمشي يمشي ... .انا مش هاتحرك من هنا ... . )
ساد الصمت بينهم جميعا ...
هذه المره صمتا ثقيلا ... خانقا ... .
و بعد فتره من الصمت ...
تناهى الي مسامعهم هدير المروحيات الاسرائيليه تقترب ... .
خفضوا رؤوسهم ... .
تعالت دقات قلوبهم في رهبه ...
حتى هتف “عبد العليم “...
( “عصام” ... .انا عارف هما عاوزين يعملو ايه ... .هما عاوزين يحرقوا المكان ... .لازم نتحرك )
( هتف “عصام” ...
( نستخبى في الحفر اللي حفرناها )
( لا مش هاينفع ... الحراره هتبقي عاليه جدا ... انا عندي خطه تانيه ... .. )
( ايه هيا ... )
لم يرد عليه ... نظر الي الجنود ...
( مين معايا رجاله ... )
ساد الصمت قليلا ثم اجاب كل منهم على حدى و بصوت واهن ...
( انا معاك )
اعاد السؤال بحماس اكبر و هو يهتف ...
( مين معيا يا رجاله )
اجابوه في آن واحد هذه المره ...
( كلنا معاك )
صرخ في قوه ...
( صاااااااااااااعققققققققققققه ... . )
هتفوا من دون شعور كلهم في وقت واحد ... .
( مجد ... .مجد ... مجد )
اعاد الهتاف مره اخري و اهو يصرخ و يرفع مدفعه ... .
( صاااااااااااااااعقققققققققققققه )
ردوا عليه صارخين و بحماس متزايد ...
( مصر ... مصر ... مصر ... )
و صل صوت هتافهم الى “يتسحاق” فجفل ثم بصق ...
( اللعنه ... ماذا يفعل هؤلاء ... )
ثم استدار الى “زائييف” ...
( لقد راينا بعيوننا جيشهم كله ينسحب و يهرب في الصحراء ... ماذا يظن هؤلاء انهم فاعلون ... )
غمغم “زائييف” بسخريه ...
( البعض يبحث عن مجد شخصي حتي في الحروب ... )
رمقه “يتسحاق” بنظره ناريه ... .
ثم قال ...
( اقسم يا “زائييف” ان لم تنجح خطتك هذه لأدك هذا الممر و ادفنهم احياء بداخله.حتي لو لم نعبر من تلك النقطه )
ثم قال في اعماق نفسه ...
( و اقسم ان ادفنك معهم ايها الوغد ... )
نهض “زائييف” من مكانه و ااتجه الي الجنود المصطفين ...
( الامر بسيط يا رجال ... .لن نغامر ... لن نقتحم ... لن نعرض حياتنا للخطر هذه المره ... سوف تقوم طائراتنا بحرق المكان بقنابل النابلم و نحن ننتظر ... اذا خرج الفئران قضينا عليهم ... اذا لم يخرجو فسوف نراقب فقط الشواء ثم ندخل بعد التفحم مفهوم؟ )
قالها ثم راقب ببصره المروحيات و هي تلقى القنابل الحارقه على المكان ... .
و النيران ترتفع و ترتفع ... .
( و الان اروني كيف يعيش الاشباح في ذلك الجحيم ... )
غمغم بها في سخريه ...
و بالفعل ... تحول المكان الى جحيم ... و انفجرت القنابل الحارقه الواحده تلو الأخرى بدوي مكتوم مخيف ...
و عادت المروحيات مره اخرى بعد ان افرغت حمولتها،،،،
و على الفور انطلق “زائييف” مع جنوده ليحيطو بالممر في شكل نصف دائره تحسبا لهروب الجنود المصريين ...
ومرت ساعه ...
و ساعه اخرى ... و بدا الفجر في البزوغ و هم في اماكنهم متوترين ... .
تكلم “يتسحاق” في اللاسلكي ...
( “زائييف” ... اخبرني ... هل انتهي الامر؟ )
( لا اعلم ... لم يخرج منهم احد ... .اعتقد انهم احترقو جميعا او هربو من المعبر الخلفي ... .سنطفىء النيران الان و نقتحم المكان ... . )
اغلق “يتسحاق” اللاسلكي قلقا ... .
و تقدمت سيارت الاطفاء المنجزره لتحيط بالمكان و تبدأ في الاطفاء ... .
و استغرق الامر قرابه الساعتين حتى اخمدت النيران ... .
اقتحم بعدها الجنود الممر بعنف و هم يفتحون لنيران عشوائيا بعد ان امرهم “زائييف” بذلك ...
الممر الذى كان خاليا من اي اثر للحياه ... .
و اقتحم زاذييف من خلفهم هو الاخر وجال ببصره في المكان بسرعه ثم رفع اللاسلكي الي فمه ... .
( “يتسحاق” ... .لقد انتهي الامر و هربوا كما توقعت ... .اخبر القياده و ارسل المدرعات لتعبر الممر ... . )
اغلق “يتسحاق” اللاسلكي بحنق و هو يقول..
( اللعنه ... انه حتى لم يعد يحفظ فرق الرتب ... .اقسم ان ادمر حياته ... . )
قالها ثم فتح جهاز الاتصال ... .
( من الرائد "يتسحاق موردخاي" الي القياده ... لقد فتحت نقطة “رأس العش” و نبلغكم باننا سطرنا قد على الموقف،،،،كما ان النقيب “زائييف” قد اخل بتسلسل القيادات و اسوف القى القبض عليه لاقدمه للمحتكمه العسكريه ... .انتهى )
اغلق الجهاز و نظر الي المدرعا التي تتحرك استعدادا لعبور الممر،،،،
( لن ادعك يا “زائييف” تقتنص المجد ... .حتى لو قتلتك ... )
قالها بحنق شديد ...
اما “زائييف” فقد وقف يراقب المدرعات التي تتقدم لتعبر من الممر و هو يحدث نفسه ...
( لقد نلت المجد يا “زائييف” ... .سيكتب التاريخ اسمك بحروف من ذهب ... . )
و اعترته النشوه حتى انه لم يلاحظ “عبد العليم “الذي كان يتسلق ضخور الجبل هابطا في هدء من خلفه و الذي اختفي خلف صخره كبيره ثم اشار ل”عصام” الذي تسلق هابطا بسرعه بدوره ... ..
كانت السريه بالكامل قد اختبئت في اعلى الجبلين الذان يحيطان بممر “رأس العش” ... ..
و احتملو الحراره العاليه المنبعثه من النيران التي كانت تحرق صخور الممر و ارضه ... .
و بعد ان اطفأ اليهود النيران كما توقع “عبد العليم “... .تسلقو هابطين واحدا تلو الاخر،،،، ليعودو الى موقعهم خفيه ... .
و تقدمت الدبابات الواحده تلو الاخر لتعبر الممر و “زائييف” يراقبهم و هو غارق في احلامه ... .
و ما ان وصلت دبابة المقدمة الى منتصف الممر حتي انطلق صاروخ مصري من بين الصخور لينسف برجها بدوي مخيف انتزع قلوب الجنود من اماكنها و القي ب”زائييف” ارضا ... .
و ساد الهرج و المرج بين صفوف الجنود ...
و فاجأه ... و بشجاعه يندر ان تجد مثيل لها الا في الدماء المؤمنه ... .
هب الجنود الثلاثين من اماكنهم و فتحو النيران على جنود العدو الذين تراجعو في رعب ... .
و حصدهم الموت واحدا تلو الاخر جزاء ما دنسو من ارض مصر ...
و تعالى صراخهم و عويلهم ... .
و سقط “زائييف” قتيلا ... .
و ترك الجنود دباباتهم و فرو مذعورين تلاحقهم النيران،،،،،
اصيب “يتسحاق” بصدمه عصبيه و فقد السيطره على اعصابه ... ..
و قتل و جرح كثيرا من جنوده الذين شاركو في تلك المعركه ... .
ثبت “عبد العليم “... . و رفاقه أربعه ايام بعد تلك المعركه رغم ان مؤنهم كانت قد اوشكت على النفاذ ... ..
و اصدرت القياده الاسرائليه امرا بالتوقف عن محاوله اقتحام “رأس العش” ... .
تقدمت كتيبه الرفاعي المصريه الشهيره لتتسلم الممر ... .
و عاد الابطال الثلاثين من حيث اتو ... .
كل منهم ذاب في المجتمع ... .
و ذابو في النسيان ايضا ... .
لم يذكرهم التاريخ الا رمزا ... ..
لم تكرمهم الحكومات المصريه المتعاقبه ...
لم تعرف عنهم اجيالنا شيئا ...
ذكرهم اليهود في كتبهم ... و في صحفهم ... و نسيناهم نحن ... .
اعتقد ان “عبد العليم “عاد الي قريته ...
الى نخلته ...
اعتلاها و تنفس بعمق و شوق الى الارض التي دافع عنها بشرف ... .
غير مبال بما سيجنيه ...
و اخذ ينظر الي الافق ليعرف اكثر ...
و ليرى اكثر ...
و ليحب مصر اكثر و اكثر ... .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق